فهرس الكتاب
إن وحدة القياس في المنهج الصفوي تتصل عند فحص الرواية بمدى قوتها لإحداث نوع من الانشقاق، وقدرتها على ترويع الطرف الإسلامي الآخر. وعندما يقول الإمام جعفر الصادق:"إننا نبرأ إلى الله ممن يسب أبا بكر وعمر"فهي رواية غير معترف بها، وليس فيها رشاد لأنها مما يوافق العامة.
وكان الشاه الصفوي قد وجه مبعوثين إلى فقهاء النجف وجبل عامل للالتحاق به، وأرسل الهدايا الثمينة، فاستجاب لدعوته الشيخ علي الكركي، وهو من أهالي قرية (كرك نوح) في بعلبك بلبنان، وكان عند استدعائه يسكن النجف، ورفضها فقيه آخر كان يقيم معه في النجف، ويناظره في المرتبة العلمية، وهو الشيخ إبراهيم القطيفي- من أهالي القطيف والإحساء - ورفض هدية الشاه، وحرم على الشاه أخذ الخراج من الناس واعتبره غصبًا.
يقول على الوردي: إن الشيخ على الكركي أفرط في تأييد مستحدثات الدولة الصفوية، بحيث وافق على أمور لا يجوز في الشرع الموافقة عليها كلها أو بعضها - ولعل هذا هو الذي جعل الخصوم - خصوم الاتجاه الصفوي - يطلقون على الكركي لقب مخترع الشيعة.
ومن مخترعاته، رسالة فقهية قدمت المسوغات الشرعية لسب عمر بن الخطاب وأبي بكر، بعنوان نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت.. ولم يكن الجبت والطاغوت في عرفه سوى عمر بن الخطاب.
إن الجدال الشديد الذي نشب بين الكركي والقطيفي أدى إلى انقسام علماء الشيعة في حينه إلى فريقين متنازعين، ولكن هذا الانقسام لم يدم طويلًا حتى انتهى بانتصار الكركي وأتباعه كما يقول الوردي وليس من الصعب اكتشاف السبب الذي أدى إلى هذا الانتصار، وهو متوقع وينسجم مع طبيعة الحياة الاجتماعية، فالدولة بما لديها من أموال ومناصب مغرية قادرة أن تقوي جانب العلماء الذين يؤيدونها وتضعف جانب الذين يعارضونها.
ولم تتراجع السيادة الصفوية وسيطرة مناهجها، على اتجاهات البحث العلمي وقواعد الاحتجاج التاريخي، منذ ذلك الوقت من عام 1530 إلى أيامنا هذه، ولم يعد منهج الشيخ إبراهيم القطيفي معروفًا في تلك الأوساط.
وكان عمر بن الخطاب ضحية هذا الانتصار المؤسف، ولاينبغي إغلاق هذا الملف قبل الإشادة بدور الإمام السيد محسن الأمين العاملي، الذي كانت موسوعته أعيان الشيعة وكتاباته الأخرى المصدر المعتمد في تسجيل تلك الأحداث ومنه أخذ الدكتور علي الوردي المعلومات الخاصة بذلك الصراع.
المجلسي رائدًا:
يقول علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق - الجزء الأول: