فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 218

عمر مستعجل فالأحداث أسرعت في زمنه، وأسرع الزمن، وتراكضت الخيول، وعابرات الجيوش تطوي المسافات والمعارك الكبرى تحسم بأيام، والقادسية التي لم يكن لها نظير لم تدم أكثر من ثلاثة أيام.

فكيف لا يستعجل الرجل وهو أروح القدمين ومن طبيعة الأروح أن يُغذِّ السير بخطوات أسرع وأقوى من رجل بقدمين عاديتين.

وكان على مبدأ (تنظيف يومه من أزماته) فلا يدع لأزمة أو ثروة أو ظلم فرصة للتراكم. فيطفئ قدحة الفتنة ونفوذ المتنفذ وبارقة الظالم. فلا تبيت شكوى من فساد ليلتها تحت مخدته ولايؤجل مخالفة يأتي بها البريد، صغر المشتكى عليه أم كبر، صغرت الشكوى أم كبرت. وهو يعالج الهفوة بالدرة، والخطيئة بجلسة قضاء على قارعة الطريق، وإن كان المتهم صحابيًا كبيرًا. فقضى بسياسة عدم التراكم على الفساد. الذي تراكم بعده ولم يستطع الخليفة من إطفائه. ولم يذكر عنه أنه توسّد حصيرة، وافترش رملته وأخذه النوم، وبجانبه أزمة ساهرة.

وتجتمع عنده السرعة وروح العدل، فكان القضاء عنده سريعًا وعادلًا، ورفع عدل عمر خراج العراق إلى مائة مليون درهم وانزله ظلم الحجاج إلى ثمانية عشرة مليونًا.

إن النظام الذي أقامه عمر بن الخطاب، كما يقول طه حسين في"الفتنة الكبرى"لم يكن مستلهمًا من أمة أخرى. لم يكن نظام الحكم الإسلامي في ذلك العهد نظام حكم مطلقًا ولانظامًا ديمقراطيًا على نحو ما عرف اليونان ولانظامًا ملكيًا أو جمهوريًا أو قيصريًا مقيدًا على نحو ما عرف الرومان وإنما كان نظامًا عربيًا خالصًا، بيَّّن الإسلام له حدوده العامة من جهة وحاول المسلمون أن يملئوا ما بين هذه الحدود من جهة أخرى.

ولايحتج أحد بشدة عمر، فالرجل بالتأكيد كان شديدًا لكنه لم يكن عنيفًا. وكان لينًا ولم يكن ضعيفًا.

عمر والمعارضة السياسية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت