فهرس الكتاب
تتقلص الروايات وتشح المعلومات الخاصة بنشاط سياسي معارض لعمر بن الخطاب في ولايته، لكن ذلك لا ينفي وجودها، وقد تكون صامتة أو أن ردّ الفعل عليها كان صامتًا. فلم يكن لتلك المعارضة شعراء ناطقون بلسانها حتى تسمع أصواتهم، ولم يكن لعمر جهاز قمع مزود بسلاسل الحديد حتى يسمع صريرها، ولم يتأسس سجن سياسي بعد، ولم تتشكل أجهزة الشرطة التقليدية، لكنه كان يمتلك آلية استخبارية تعرف ماذا في حمامات الأمراء والولاة، وهذه أول دولة في التاريخ توجه نشاطها الأمني نحو إدارتها الرسمية ومقاماتها العليا، وليس لها عيون على الناس ولم نسمع عن جلسات تحقيق ومحاكمة، أبطالها من عامة الناس بل كانت مثل هذه الجلسات تعقد لمحاكمة قادة من طراز خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة الدوسي.
لابد أن زعماء قريش وأصحاب المصالح الذين رأوا عطاء العبيد السابقين في الإسلام أكثر من عطائهم وجدوا فيه إخلالا في القانون الاجتماعي الذي نشأوا عليه.
وكانت بعض فروع قريش لاسيما الأمويين غير مرتاحة لسياسة عمر المالية والإدارية، ولم نقرأ في المصادر أن للإمام علي بن أبي طالب الذي وضعه الموروث المذهبي غريمًا وخصمًا في جدول الصراع مع عمر، رسالة احتجاج ضد تلك السياسة.
يقول هاشم معروف الحسني وهو مؤرخ شيعي معاصر في كتابه سيرة الأئمة الاثني عشر:
"إن أحدًا من المؤرخين لم ينقل عن الإمام علي أنه وقف موقف المعارض لخلافة بن الخطاب وبدا منه ما يسيء إلى صلاته به، بل رضي لنفسه أن يكون كغيره من الناس، ولا ينطق إلا بلسان البررة الأطهار بمنحه النصيحة ويزوده برأيه، كلما أشكل عليه أمر من الأمور". وكانت قريش والمتنفذون منها هم الذين ينادونه فيما بينهم بابن حنتمة أو الأعيسر ويعيبون عليه لبس القطوانية وهي عباءة يصنعها الكوفيون، ولم ينقل المؤرخون عن الإمام علي أنه تهاوش الكلام مع عمر، أو تساجل معه كما يتساجل المعارضون.
منا شير عمرية ضد أمراء الدولة:
لم يكتف عمر باستخدام مبدأ الكفاءة والاستفادة من أصحاب الخبرة وإن لم يكونوا من المهاجرين الأولين بإصدار مراسيم التعيين وترك حبالهم على غواربهم.
ففي مراسلاته إليهم وهم قادة في الثغور أو ولاة في الأمصار يظهر عمر صرامة إذا ما وجد بعضهم ميلًا عن نهجه السياسي.