فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 218

حركته تشبه حركة الناس العاديين، ولهذا رأى الناس فيه صورةً منهم، ولم يشعر أحد أنه محكوم بحاكم، فقلص المسافة بين الحاكم والمحكوم وهذه سمة تلقّاها الإمام علي مثلما تلقاها عُمر عن النبي، تجعلُ الحاكم محكومًا. وهو محكوم بالنصوص، فعاشَ سنوات حكمه العشر وكأنه يقود حركة معارضة. لاحركة سلطة فحسب، وعرض مقطعًا كما عرض الإمام علي في تاريخ السياسة العالمية يستحيل فيها رئيس الدولة، زعيمًا للمعارضة في آن. فيراقب سير الإدارة بعين المعارض ويبعث برسائله إلى الولاة وكأنها مناشير المعارضة السرية.

وعمر لا يعد نفسه من الأمراء وأهل السلطان وهو أمير المؤمنين، وأغلب الظن أن إضافة الأمير إلى المؤمنين أخضعت ولو على مستوى الإيحاء النفسي هذا الأمير إلى المؤمنين وفقًا لمنطوق المضاف إليه الذي يعد المالك والمضاف مملوكًا.

لم يصطنع لنفسه طقوسًا خاصة، ولاعالمًا يتعرف الناس عليه بهِ، لكنك إذا تابعت تاريخه، وحدقت في حركته اليومية، فستشكل أمامك صورة عالمٍ خاص، واضح الملامح والسمات، يقوم على العفوية والبساطة وعدم التصنع والسهولة، فينعكس هذا على طقوس العبادات عنده لا تَكلف فيها ولا اصطناع.

كان يمنع جلبة المظاهر الدينية، ويقاوم السابقة قبل أن تتفشى، ويأخذ على بعضهم الغُلو في العبادات، «فمن أدركته الصلاة فليصلِ وإلاّ فليمضِ إلى سبيله""

ويمنع أن يضفي التقديس على غير المُقدس، والمقدس عنده قرآن وسنة ويبقى من هو خارجها خُلوًا من القداسةِ. ومع بساطته كان رجل الإستراتيجية.

ولعمر كاريزما كما نقول في أيامنا هذه، وأجمل ما فيه عندي، أن أراه يُسرع في أمَرْ من هامش الأمور فيندفع لحظة ثم ينسحب قبل مرور اللحظة التالية، فيتأثم وهو غير آثم، وتتحول حركة خاطفة من درتهِ يعلو بها كتف رجلٍ أو امرأة إلى حركةٍ ضد نفسه، فيطالب المُخفَقين خطأً أن يخفقوه، وهو ممن يمارس النقد الذاتي على نفسهِ بمرارة... ثكلتكَ أمك يا ابن الخطاب أأفقه منك امرأة، ثكلتك أمك يا ابن الخطاب إن لم تقلها، وأراه لحظتها يسارع إلى رأس الإمام علي فيقبله ولا أقامني الله في أرضٍ ليس فيها أبو الحسن.

وعمر ليس له باطنٌ وظاهر، وليست له سياستان سرية ومُعلنة، وليست له جملتان واحدة لنفسه وأخرى للناس.

ليس لعمر مثنيات، وقد أتاحت له عشر سنوات من الخلافة المستقرة تنفيذ البرامج الإسلامية واجبة التنفيذ فأطبقت النظرية على الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت