فهرس الكتاب
يمكن أن تكون أول مظاهرة سياسية في تاريخ العرب وبمعناها الحديث قد اجتمعت بباب عمر قادمة من أحياء العرب، احتجاجًا على شدته، لكن المظاهرة انقسمت إزاء هذا الشعار، فرأى بعضهم في هذه الشدة حزمًا يثير الإعجاب، وأصل خروج المظاهرة العفوية يرتبط برد فعل شعبي ضد موقف عمر من جبلة بن الأيهم، وهو من ملوك بني غسان في الشام أسلم بعد أن رأى مصير هرقل فتوجه إلى المدينة مع (500) من أهل بيته، واعد له عمر استقبالًا شعبيًا كان الأول في تاريخ المدينة والأول في تاريخ عمر خروجًا على عادته وتساهلًا مع ما تعارفت عليه نفسه وهو المعروف بكراهة المظاهرة والمهرجانات ورؤية الملوك على خيول مطهمة معقودة الأذناب، وتاج بن الأيهم يأخذ بأبصار الناس فتنبهر المدينة وعمر صامد حابس لمشاعره، خاضع لأول مرة لرسوم الاستقبال الملكي، مقدرًا أن ضيفه مازال طري الانتساب للإسلام، تليد الانتساب إلى طقوس الملكية.
ولاشك أن مقبض الدرة قد ترطب بعرق يده. وقد يكون تذكر لحظتها مشهد أمراء الشام يزيد بن أبي سفيان وخالد بن الوليد على خيولهم فحصبهم بالحجارة، وهم بلاشك أعلى مقامًا عنده من جبلة. كان عمر يراقب هذا الملك كيف يخرج ويتبختر؟. ويتحدث من زاوية الفم أو بأطراف الأنف، فدعاه إلى زيارة الكعبة وأظن أن عمر أعد سيناريو الزيارة مسبقًا، وإذ هما يطوفان بالبيت الحرام وطيء أزار الملك رجل من بني فزارة، فضرب وهو يقيل عثرته، وجهَ الفِزاري بكفه فشكا الرجل إلى عمر، فعقد كعادته جلسة محاكمة للملك الزائر الداخل في الإسلام حديثًا!.
قال عمر لجبلة: عليك أن ترضي الرجل أو أن أقيده منك، فأنكر جبلة ماسمع وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك وهنا كان على عمر أن يلقن ضيفه الدرس الإنساني الأول في نظرية السواء الإسلامي.. وأنت لاتفضله بشيء إلا بالتقوى والعافية.
قال جبلة.. لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية.
قال عمر: دع عنك هذا، فإنك أم لم ترض الرجل عقدته منك. قال جبلة: إذن سأعود نصرانياًَ!.
فطلب جبلة أن ينتظره هذه الليلة، وتقول الرواية انه خرج في جنح الظلام متسللا ووصل بلاد الروم حيث استقبله هرقل وأقطعه ربوعًا ملكية شاسعة.
ولما علم الناس بأن الملك الغساني فرَّ هاربًا مرتدًا عن الإسلام حمل بعضهم المسؤولية على شدة عمر معه، فاصطدم المتظاهرون أمام بيت الخليفة، وكادت أن تحصل فتنة.
الطباق العمري