فهرس الكتاب
كان عمر من طبقة أو من حي بلغة العرب هو دون حي أمية، وكانت له أعرافه وملاعبه وكان عثمان ينحدر من سلالة لها أعراف صارمة وليست لها ملاعب مفتوحة.
الإسلام وقريش:
خرج منها الإسلام إلى العالم وخرج عليها وخرجت عليهِ، وحين قرر النبي الهجرة التحق منها نفر معدود وعاد إليها بعد ثماني سنوات وعديد جيشه الألوف، فخُيّل لبعض أنصاره أن فتح مكة سيكون نهاية قريش فيما كان الفتح بدايتها الجديدة ونَصرها المؤزر (وهي المكسورة) وخيوط حلمها في دولة ليست لأوثان الكعبة بل على أرض الجزيرة بمشاركة خاصة ورقابة صارمة من السماء والحاكمون هُمُ هُمُ.
والخلافة في قريش، وهذا بعض سرِّ مما وراء قرار القائد القرشي حامل المهمة السماوية والمكلّف الإلهي، بإصداره عفوًا عامًا عن مقاتليها وزعيمهم، ولم يستثن سوى أحد عشر رجلًا وجدوا طريقهم فيما بعد إلى الحرية وصوت النبي يعلو والفرح يملأ قلبه...لا يُقتلُ قرشيٌ صَبرًا بعد اليوم.
ومنذ الهجرة والكتاب المنزل يقدّم المهاجرين في تسلسل الآية قبل الأنصار.
ولم يهجرُ النبي انتسابه القرشي في محتدم الصراع مع قريش، فيسأل شاعره حسان بن ثابت... كيف تهجو قريشًا وأنا منها؟.
فيقول حسان: أَسلُّكَ كما تَسِّلُ الشعرة من العجين يا رسول الله.
وفي نفس النبي لو كان هذا العجين بلا شعرة. صافيًا للإسلام. وقد تحقق ذلك في فتح مكة.
إن قريشًا لاتُحشَرُ في مصنفات القبائل، وهي شعبٌ مترامي الأحياء والبيوت ينفرد بخصائص لم تتوفر لغير شعب قريش في الجزيرة، وتقوم على المهارة في السياسة والاقتصاد. وتحتاج السياسة إلى الدبلوماسية، فإذا أخفقت كانت الحرب وقريش تعرف هذا الفن وذاك.
وهي في اقتصاد الجزيرة مثل وول ستريت في أمريكا والِستي في لندن.
وشخصية القرشي أميلُ إلى الواقعية بفعل السياسة والاقتصاد وأفصح في التعبير عما يسمى بالبراغماتية مع شيء من الوعي الاستراتيجي والقدرة على التكيف والتأقلم مع الواقع.
وهذه من خصائص التُجار، وقد يُفسّر منحى قريش هذا أنها كانت تفتقر إلى الشعراء، وأن أبناءها لم يُهيموا لا في وادي عبقر ولا في وديان عذرا.
فإذا ظهر منهم شاعر كبير كعمر بن أبي ربيعة بعد عقود، كان الرجل زعيم الواقعية في الغزل.
إن الإسلام وُلِدَ في قريش، لكنها لم تكن الحاضنة الأوفى، مثلما كانت الأوس والخزرج وقبائل المدينة، فإذا انتصر الإسلام حصدت، وهي الخاسرة، ثمار الانتصار.