فهرس الكتاب
وفي التحليل السيكولوجي، كان عثمان بعد إسلامه يعاني من أزمة وحرج اجتماعي، وكان في مأزق قيمي. إذ خرج وحيدًا من بني أمية إلى الإسلام في أيامه الأولى، فخذل قومه، وكانت آيات القرآن تصب اللعنة على المشركين والمنافقين، والمسلمون يعرفون أسباب النزول ومن هو الفاسق والمنافق ومدى قرابته من عثمان. وكانت قبيلة عثمان تقود قريش في حروبها ضد الإسلام، وعثمان يمول الجيش الإسلامي بمعدات القتال والانتقال وإن بلغت أرقامًا ليس لغير عثمان بن عفان أن يسدد قيمتها.
إن شعورًا كهذا لم يدخل إلى نفس عمر، فهو من حي متواضع من أحياء قريش، وقبيلته عدي لم يكن لها دور كبير في الحروب ضد الإسلام، وأن عمر نفسه أعطى جهده للدفاع عن معتقدات قبيلته، فلم يسلم في وقت مبكر. ولم يترك أقرباءه يقاتلون الجيش الذي انتسب إليه كما هي حال عثمان. حتى إذا أسلم لم يكن هو من أوائل الخارجين على قبيلته، وقد أسلم قبله ابن عمه زيد وأخته فاطمة. فليس لديه شيء من الإحساس بالذنب والإثم أو من عتاب الضمير فيما يتعلق بمرحلتيه الجاهلية والإسلامية.
وكان من الطبيعي، وعثمان تحت ضغط هذا العامل النفسي، أن يعوض بني قومه عما فاتهم ليرضي نفسه قبل أن يرضيهم، فكان سخاؤه عليهم يوازي به سخاءه على الجيش الإسلامي. ولدى عثمان مسوغ. فأقرباؤه قد أعلنوا إسلامهم والإسلام يجب ما قبله.
فتيسرت أو لعله هو الذي يسر الوسائل المادية والشرعية استنادًا إلى موقعه وصلاحياته لتسيير المال وسواه لمن يعتقد أنه مطلوب ولو نفسيًا لرد ماعليه من ديون أدبية أكثر منها مادية. ولم يكن عمر قد مرَّ بذات التجربة.
ومن مخطوء الأحكام والتقويمات التاريخية شيوع القول بضعف عثمان، وكأنه لم يخلع ولاة قريش الأقوياء مثل المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، وسيعد عثمان أكثر جرأة أدبية وقوة إرادة عندما يعين عبد الله بن أبي سرح واليًا على مصر ووليد بن عقبة واليًا على الكوفة ويعبر مشاهد ورسومًا لعمر فعطل قراره بإمساك قريش والصحابة الكبار عن مغادرة المدينة، والانتشار في البلاد المفتوحة، وفتح أمامهم آفاقًا جديدة.
ومنعت عثمان عن النزول إلى الإحياء والصفق في الأسواق نزعة ارستقراطية بتعبيرنا المعاصر، تقابلها نزعة شعبية لعمر هيأته لسن قوانين في الضمان الاجتماعي ورعاية الأطفال الرضع ومنع الاجتماعات السرية.