فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 218

وبالمقارنة مع شخصية عمر ستبدو جليًا حيوية عمر التي رافقته إلى فجر اغتياله. كان عمر واحدًا من أبناء البرية مشربًا بتقاليدها، وحياته متصلة بحياة الناس البسطاء. وهم يعيشون على سطح طبقي واحد، وحركته تشبه حركة الناس العاديين، وحركة عثمان تشبه حركة أبناء الأمراء، فرأى الناس في عمر بعد استخلافه صورة منهم، وقد قلص عمر المساحة بينه وبين الناس، ولم يكن سهلًا على عثمان أن يترسم خطى عمر، فيعسّ في الليل ويخفق بالدرة ويلتحف الرمل ويجلس على قارعة الطريق أو يقوم يهنأ بعيره بالقطران أو يعدو على قتبٍ باحثًا عن بعير ند من إبل الصدقة، أو ينفي شابًا وسيمًا لأنه وسيم، ولايمر ببال عثمان أن يسأل عن طفل يبكي طارقًا باب أمه لمعرفة أسباب بكائه، ولا كان ممكنًا لعثمان حتى مجرد التفكير بمسك ستارة معلقة على نافذة أحد ولاته فيمزقها.

لقد نشأ كل منهما على إحساس طبقي واجتماعي وتربوي، فصار عمر الحاكم الوحيد في التاريخ، الذي ليس له معارضة سياسية أو سجون سياسية. أما جهازه الأمني فكان مخصصًا لمراقبة الأمراء والقادة والولاة ورجال السلطة ولا يخرج عنهم إلى الناس.

أما عثمان، ففي القسم الثاني من خلافته تكاملت أسباب الدولة القائمة على فكرة التعالي كما يقول هشام جعيط في كتابه (الفتنة) الصادر عن دار الطليعة.

ويرى أن عثمان كان في أعماقه مسكونًا بفكرة تعالي الدولة، المرتبطة بفكرة تعالي الله. وأنه لم يكن مجرد ألعوبة بين يدي مروان. لعله التقاط ذكي وسيكون ميسورًا لنا السؤال عما إذا كانت فكرة التعالي إذا ارتبطت بفكرة تعالي الله غائبة عن النبي وأبي بكر وعمر وعلي. وأغلب الظن أن فكرة التعالي هنا ترتبط بطفولة عثمان وارستقراطيته ولاصلة لها بغير ذلك. كان عمر بن الخطاب كاسبًا، وكان عثمان تاجرًا كبيرًا تغني له النساء في تنويمة الأطفال.

وكان تاريخ كل من عمر وعثمان مختلفًا في الجاهلية. إذ لم يذهب عثمان إلى حلبات الملاكمة ولم يشترك في سباقات الخيل، ولم يعرف عنه كثرة المشروب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت