فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 218

كان عُمر يستخدم طريقتين لم يشأ الإمام علي السير فيهما. رغم أنه لم يعترض عليهما، ينقل طه حسين في (الفتنة الكبرى) حوارًا بين الإمام علي وعثمان يحتج فيه الإمام على تقريب الأخير أقرباءه في الإمارة والولايات، فيقول عثمان لعلي: إن عمر ولّى المغيرة بن شعبه على الكوفة والبصرة، وولّى معاوية على دمشق، فقال له الإمام علي: إن عمر كان يراقب ولاته ويخيفهم وإن ولاتك يستبدون بالأمر من دونِك.

وعندما قيلَ: إن الإمام علي عيَّن ثلاثًا من أبناء عمه ولاةً قال طه حسين: إن سيرة علي مع ولاتهِ من بني عمه هي سيرة عمرُ، فكان شديدًا عليهم، مراقبًا لهم، لا يتحرج عن عزلهم إن قصرّوا. على حين لم يعزل عثمان واليًا من بني أمية وآل أبي معيط إلاّ حين أكرهته الأمصار على ذلك.

كان هدف عمر تطويع قريش بإشراكها في إدارة السلطة والإفادة من مهاراتها في السياسة والاقتصاد والحرب والإدارة، فأخذ منها ما يستفاد منه في بناء الدولة الجديدة في الوقت الذي كان فيه زعماء قريش تحت إمرته وطوّع يديه.

وإن كان التذمر القرشي واضحًا في رؤيةِ من كانوا في عداد العبيد، أصحاب قرار وأمراء وولاةٍ وقضاة ومندوبين عن الخليفة مُخولين بنزع عمامة خالد بن الوليد وربط يديه بها من الخلف كما فعل بلال بأمر من عمر الذي كان يقدّم اسم بلال أو سلمان الفارسي على أبي سفيان عند المقابلات.

لم ينهج علي نهج عمر في الاستفادة من قريش، ولا كانت قريش لينةً طائعةً معه، كما كانت مع عمر ولا هي ستخضع لقرارٍ يصدر من الخليفة علي بن أبي طالب بعزل أحد رجالها عن ولاية أو إمارة وليس لأحدٍ منها أن يستسلم لعمار بن ياسر في ولاية الإمام علي، كما استسلم زعماء قريش لمحمد بن مسلمة الأنصاري، عندما كان يشاطر بعض أموالهم لصالح بيت المال.

إن مرونة عمر مع قريش أوسع من مرونة الإمام علي معها، وشدة عمر عليها أكثر من شدة الإمام، ولم يكن الإمام علي يوافق على مرونة واسعة كهذه، ولم تكن قريش ستقبل منه شدة كتلك عليهم.

ومُختصر القول: إن الإمام علي ما كان يرضيه رؤية المتنفذين من قريش نافذين في الإسلام ولا كانت قريش قد استكانت لإمامته منذ الأيام الأولى، فلم يتهيأ للإمام علي الاستعانة بهم فيستخدم المرونة أو الشدة، وليس أمام الإمام قبل انشقاق قريش عليه، متسعٌ شرعي وقد أعلنوا إسلامهم وتقبله النبي (ص) بعد فتح مكة. والإمام علي مُريد قبل أن يكون وبعد أن يكون حاكمًا أو ثائرًا.

حلاقيم قريش

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت