فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 218

وإذ كان يسير عليها ويلتمس ما خرج له، فإذ سمع صوتًا لأبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: مارأيت كاليوم قط نيرانًا ولاعسكرًا.

فعرف العباس صوته، وقال: ويحك يا أبا سفيان. هذا رسول الله في الناس، قال: فما الحيلة؟.

قال العباس: لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله، فأستأمنه لك. فركب أبو سفيان خلف العباس، وكلما مروا بنار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟. فإذا رأوا بغلة رسول الله قالوا: عمّ رسول الله على بغلته. حتى مروا بنار عمر بن الخطاب (والنار تعني الحاجز العسكري) . فقال من هذا؟. وقام، فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال عمر: أبو سفيان عدو الله. الحمد الله الذي أمكن الله منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله، وركضت البغلة فسبقته. فدخل العباس على الرسول. ودخل عمر، فقال: يا رسول الله. هذا أبو سفيان. فلأضرب عنقه. فاعترض العباس قائلًا: يا رسول الله إني أجرته فجلس إلى جانب الرسول. وأقسم أن لا يناجيه رجل دونه. وكان عمر يكثر في شأن أبي سفيان ويفصل القول، وكأنه مدع عام. يتلو حيثيات الجريمة. فأوقفه العباس وغمزه قائلًا: أما والله أن لو كان من رجال عدي بن كعب ما قلت هذا. ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال عمر: مهلًا يا عباس. والله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام أبي لو أسلم.

فأمر النبي (ص) بإرسال أبي سفيان مع العباس، وبات عنده. ولم يكن أبو سفيان قد أسلم حتى صباح اليوم التالي.

أقول: لو جرى تثقيف الناس بتاريخهم لعلم خلق مهموم بربط عمر حتى هذه اللحظة بتاريخ الأمويين أن الرجل وحده عند فتح مكة كان مهمومًا بإنزال القصاص بأبي سفيان وجماعته. لكن لرسول الله رؤية إلهية.

عمر والسلفية:

السلفية مدرسة أخلاقية أكثر منها علمية. وتاريخية أكثر منها سياسية. ومحافظة أكثر منها متحركة. ومن يتعامل مع جانبها الأخلاقي سيكتشف فيها دعوة للسلم الأهلي، لكن في بطون التاريخ. فهي تميل إلى التسوية بين الفرقاء وتدعو إلى نظرية وحدة الصحابة وعدالتهم ولا تتساهل مع اختلاف الناس على رأي يميل لهذا عن ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت