فهرس الكتاب
وفي تذوق لغوي وذائقة تاريخية وسياسية لا أجد في مصطلح المستشار إلا ماتعافه نفسي، أما أن يكون أولًا فليس ذاك عندي سوى أن جعلنا من الإمام علي واحدًا من عشرات المستشارين. وهو ما تستنكره سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري ومروج المسعودي. فالمريد الراضع حليب القرآن في يوم مولده والمولود في رحاب الكعبة والفتى والسيف والجذر والصهر والإمامة وبيت النبوة في بيته ليس موظفًا تحت الطلب يحتاج إليه في يوم وينسى شهرًا أو شهورًا.
لم يكن مركز إدارة الصراع العالمي الذي تأسس في المسجد النبوي، والمدينة عاصمة العالم الجديد، دائرة حكومية فيها رئيس ووزراء تنفيذيون وجملة مستشارين ممن لم يلصق بهم اللقب إلا لعجز في القدرة على القيادة أو لبطالة.
لا نشك أن مصطلح المستشار المستخدم في الكتابات المتأخرة عند التوفيقيين أو في المدرسة السلفية إنما يراد به الردّ على فريق من المسلمين القائلين باعتكاف الإمام علي في حجرة واصّرارهم على أخذ الإمام علي إليها ليعلن القطيعة الكاملة ليس فقط بين علي وعمر وعلي ودار الخلافة، بل بين علي ومركز إدارة الصراع الجديد وإخراجه من دائرة الصراع، فيقول العلامة السيد كاظم القزويني في كتابه (الإمام علي من المهد إلى اللحد) إن الإمام علي كان جليس البيت منذ وفاة النبي إلى ظهور اسمه في هيئة الشورى، الذي أوصى به عمر قبيل وفاته عام 23 للهجرة.
وليس هذا من المقطوع به عند جميع فقهاء التشيع، فالعلامة المؤرخ هاشم معروف الحسني في كتابه (سيرة الأئمة الاثني عشر) يقول غير هذا ويرى أن أية معارضة لم تصدر من الإمام علي على خلافة عمر لا في القول ولا في الفعل، وهو ذاته ماقال به المرجع الشيعي الكبير الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) .
ومرجع ماذهب إليه القائلون بمصطلح المستشار أن آلية إصدار القرار في ولاية عمر تعتمد على مبدأ الشورى الذي توسع به الخليفة الثاني بالمقارنة مع ولاية أبي بكر وولاية عثمان بن عفان. فلم يوسع أبو بكر فيها حرصًا على أن لايخرج عما سار عليه النبي (ص) قبله.