فهرس الكتاب
ولأنها مركز القوة العربية الأول وفاتحة فارس فقد أحبَّها عُمَر وفضّلها على المدن التي أقامها، كالبصرة في العراق، والفسطاس في مصر، ولم يُعرف لِعُمر عشقُ الشام بما نعرفه عنه من عشق الكوفة، فأطلق عليها أجمل اسمين تحمِلهما مدينة: رأس الإسلام مرةً وجمجمة العرب مرةً أخرى.
فهي العروبة والإسلام وليست الشقاق والنفاق كما تزعمون.
أما البصرة فكانت في مركز هامشي لم يتوجه إليها سوى قبائل غير متمرسة في القتال كما يقول هشام جعيط في كتاب الفتنة وكان مركزها هامشيًا ولَعلها قامت في بعض الأحيان بدور مساعد للكوفة.
وإن كان ذلك لا يعني أنّه فضّل أهلها على أهل البصرة، وإنما كان الاهتمام بسبب دورها أمّا العطاءُ فكان واحدًا لأهل البصرة وأهل الكوفة ولعطاء غيرهم من المقاتلين.
ومع ذلك فقد نَفِسَ أهل البصرة كما يقول محمد حسين هيكل في كتابه الفاروق على أهل الكوفة موقع بلَدِهم وما تدر عليهم من الخير.
وكان وفدٌ من البصرة قدم إلى المدينة وشكا من سوء أحوالهم المناخية فقال الأحنف بن قيس لِعُمر:
يا أمير المؤمنين إن مفتاح الخير بيد الله وإن إخواننا من أهل الأنصار نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة والجنان الملتفة وإنا نزلنا سبخةً ملتفة لا يجف نداها ولا ينبُت مَرْعَاها فليس لنا زرعٌ ولا قرع، ويخرج الرجل الضعيف يستعذبُ الماء في فرسخين وتخرج المرأة لذلك فَتُربقُ ولَدْهَا كما يُربقُ العنز"أي يربط بالحبل"يخاف بادرة العدو، وأكلِ السبع، فان لا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقومٍ هلكوا.
اتخذ عمر ساعتها قرارين، أن يزيد عطاءَهم وأمر عامله على الكوفة أبا موسى الأشعري ليجري لهم نهرًا على بُعد ثلاثة فراسِخ إلى شمال البصرة حيثُ الماءُ هناك أعذب لم يتلوث بمياه البحر بَعْد.
وكانت قبائل البصرة تتنافس مع قبائل الكوفة، ونافست المدينتان على أمجادها ودخلت القبائل في هذا التنافس فدَخَلَ معها شعرُ التفاخر، وهو أول تفاخرٍ للمكان بعد الفخر بالقبيلة.
فهل كانت تلك بداية لاختلاف أهل البصرة وأهل الكوفة في علم النحو، فيكون لكل منهم مدرسة خاصة وأن يختلفا في الذائقة البلاغية، فيكون لمدرسة الكوفة ذوق أقرب إلى طبيعة البداوة ونقاء الصحراء وسهولة المقاصد والأفكار، فيما جنحت البصرة نحو التعقيد مُستعينةً بعلم المنطق والرياضيات في كتابة النحو والبلاغة؟.
ولم يكن ذلك كافيًا لسترِ الكوفة وحمايتها عن الطعون على مرِّ القرون العربيّة.