فهرس الكتاب
وكانت حضارتها بسيطة غير معقدة ولا مشوبة بتخليط، المشاكل فيها قلائل، والوقائع تتشابه وتتشاكل. فإذا عرضت مسألة، فإن أشباهًا في السوابق حِكمًا في النصوص: يسيطر على أهلها اعتقادهم أنهم لن يصنعوا خيرًا مما صنع آباؤهم، لأنهم تابعون وآباؤهم متبوعون، ومن عقيدة التابع أنه ليس كالمتبوع، وأنه لن يكون جيل التابعين ولا أي جيل بعده أو قبله كجيل الصحابة رضوان الله عليهم.
أما الكوفة ففي ذلك الإقليم من أقصى الجزيرة حيث لم تكنُ مادة الفقه والأحاديث والسنن هي الهواء الذي يتنفس الناس فيه في كل مكان كالمدينة، فإذا أقبل بنوها على العلم أقبلوا من تسامح المحيط الواسع الذي ينادي بالاجتهاد بالرأي، حيث الناس من كل الأجناس، يقبلون على الدين الجديد تؤنسهم مدينة كبيرة وتكتنفهم معاملات وتجارات ونوازع شتى وفنون حضارة تحتاج في كل وقت إلى الرأي الجديد، لا تغنى عنه النصوص القليلة المتداولة. جاءوا يدلون بدلوهم في الدلاء، يتحرون ويتقرون لم تكد تهدأ رحلتهم بعد، ولم تكن لتهدأ إلا بعد أن تستنفدها شتى ضروب النشاط المادي والفكري أو يعتورها الكلال والهرم.
لقد تلازم الاجتهاد والجهاد في تاريخ الإسلام، وتحالف الركود الفكري والركود العسكري من ألف عام:
قامت مدرسة الكوفة تقول بالخلق والابتكار، واستعصم أبو حنيفة فيها مستمسكًا بالرأي وبالتشدد في قبول الأحاديث ورواتها وعارض فقهاء المدينة وأشياعهم.
ثم تطاول الخلاف الفقهي فتحول إلى خصام، وأعلنت حرب المذاهب بين كلمات قارصة كقول القائل:"وضع أبو حنيفة أشياء في العلم، مضغ الماء أحسن منها."ومستشنعات من الألفاظ سنرى أمثالًا منها بعد: وغدا فقه العراق هِمَّ الحجاز المقيم المعقد...""
لكن سياسة عثمان أولَت البصرة اهتمامًا جعلَها المركز الأساسي لإرسال الجيوش التي زحفت إلى كرمان وسجستان وخراسان سنة 31 للهجرة وعُني عثمان بالبصرة وأهلها عناية عمر بالكوفة وأهلها.
إن الإمام عليًا عندما فكّر في جعل الكوفة عاصمةً للخلافة فكأنه يستلمها من عُمر بعد معركة الجمل بين البصرة العثمانية والكوفة العمرية وكان الإمام علي يسعى لأن تستعيد الكوفة مجدها السابق.
وبتعبير المذاهب والفرق كانت الكوفة من شيعة عمر وعلي وعمار بن ياسر.
والبصرة من شيعة عثمان وعائشة والزُبير وطلحة بن عبيد الله، والفريقان هما، من أتباع محمد (ص) .