فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 218

إن المؤرخين يتداولون بظلم معلوماتٍ وأحكامًا عن أهل الكوفة كمثال للشخصية العربية المعروفة عندهم بالشقاق والنفاق وقطع الأعناق والأرزاق، فيما أخذت الكوفة قطعَ الأعناق والشقاق مرةً من قبائل الردة التي استوطنتها، ومرةً من انشقاق البصرة على خليفتها الشرعي، وبقيت الكوفة عربيةً خالصة ولم يكن للعراقيين الأصليين عليها شيءٌ من عناصر النفوذ والقوة وشعبها متسلح بتقاليده اللقاحية الصارمة وعقيدته الإسلامية النافذة. فتعرب بها من تعرّب من لم يكن عربيًا ولم تتعرق الكوفة إلاّ في القرن الثاني للهجرة.

أي أن العراقيين لم يقتلوا الإمام الحسين،لأن أهل الكوفة لم يكونوا عراقيين آنذاك.

واستمرت مدينة أُحادية الجنس قبل أن تتحول في القرن الثاني إلى مدينة عالمية متعددة الثقافات والأعراق.

إن الكوفة في فجرها الأول هي على ما رأيتم.

والكوفة في فجرها الثاني هي مدينة الثقافة والعلوم والشعر واللغة مهمومة بهموم النُعمان بن ثابت ومدرسته وبنحو الكسائي ومدرسته.

أهل الكوفة ليسوا عراقيين !

مازلت مُترددًا في أي منهما سيكون نَسَبًا تنتسبُ إليه الكوفة، وهل يَصِحُّ القول: إنها عراقية وأهلها عراقيون، وليس فيها من العراق إلاّ أرضها وموقعها على الخريطة.

أهل الكوفة هم أهلَ الأيام من المحاربين الأوائل في مأثرة الفتح وعناصر من المشاركين السابقين في حروبِ الردة، الذين تابوا وشاركوا في فتح بلاد فارس فاستوطنت الكوفة، ولم تكن من قبل مأهولة قبل صعود قبائل عربية من اليمن ومُضر ومذحج وكندة وتميم وأسد، فتشكل منها المركز العسكري العربي الكبير في العالم الساساني السابق ومركز القوة العربية، وكان أهل الكوفة هم الذين سيطروا أساسًا على وسط إيران وشماله، من ميديا وقوقس وجرجان إلى طبرستان وأذربيجان.

ولأن مُجتمعها من تلك الأصول القبليّة العريقة المعروفة بثقافتها اللقاحية أي رفضها للسيطرة المركزية والخضوع لقوةٍ فوقها وتمردها على الآخر المُتسلط، فقد طُعِنَت الكوفة بالانشقاق والنفاقِ، كونها عراقية، ولم تكن بَعْد قد تأثرت بمناخ العراق.

نخلة العراق أم زيتون الشام:

بعد استطراد تاريخي وسياسي أشغلنا قليلًا عن فاكهة الشام وعلاقة العرب بالزيتونة، التي يلتقونها حديثًا، أقولُ:

إن العرب فضلت رُطبَةَ التمر على التينِ فهل تُفضِل عليها مرارة الزيتون؟.

ألا ترى أن العرب حتى الآن لا يستسيغون الزيتون مثلما يتلفتون في موائدهم بحثًا عن الرُطَبِ المفقود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت