الصفحة 103 من 146

ولما كنا بصدد الحديث عن فئة أحرف النفي، فإننا نكتفي هنا بالحديث عن (ما) النافية فقط.

تدخل (ما) النافية على الجملتين الفعلية والاسمية. فإذا دخلت على الفعلية، لم تعمل شيئًا نحو:"ما جاء زيد". وإن دخلت على الاسمية أعملها الحجازيون والتهاميون والنجديون عمل (ليس) بشروط معروفة، كقوله تعالى: (ما هذا بشرًا) (74) . وأهملها اليمنيون، نحو:"ما زيد قائم".

وقد تستعمل (ما) نافية للجنس، فتعمل عمل (إنّ) . وهذا نادر، ومنه قول الشاعر:

وما بأسَ لورَدّت علينا تحيَّةً ... قليلٌ على مَنْ يعرفُ الحقّ عابُها"."

وينبه (ابن هشام) إلى مسألة تداخل عمل (ما) النافية مع (ما) الشرطية. ففي الآيتين"وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ... وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم"

(75) . فإن (ما) فيهما شرطية لا نافية.

وباستقراء استعمالات (ما) في باقي الأقسام والفروع والأبواب لدى (ابن هشام) ، لم نجد للنفي أي مداخلة في معانيها، بما فيها الأقسام (الكافة) عن العمل منها.

وهكذا كانت خاصية النفي الفطرية في (ما) المستمدة من خصائص حرفيها هي الأقل استعمالًا خلافًا للتوقع، على العكس مما لحظناه في معاني (لا) للنفي، فلم ذلك؟

2-حول أسباب الاختلاف بين معانيها

إن ذلك يرجع فيما نرى إلى أمرين اثنين:

الأمر الأول: إيمائي: يتعلق بالخصائص الإيمائية لحرفي (اللام والميم) .

فطريقة النطق بـ (لا) تتطابق مع طريقة النطق بـ (اللام) المفتوحة أصلًا. فبمجرد ما ينفصل اللسان عن سقف الحنك يخرج صوت (لا) . فكانت بذلك أسرع الإشارات إطلاقًا للدلالة على الرفض أو النفي، بما يتوافق مع متطلبات الإنسان العربي من السرعة في البيان. وهكذا خصها بالنفي من قبيل (وضع الشيء المناسب في المكان المناسب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت