الصفحة 60 من 146

والتجاوز إما معنوي كقوله تعالى (أذهب الحزن عنه) ، وإما حسي، نحو: (( مسح العرق عن وجهه) . وسنجد في معاني (عن) التالية تأويلات وتقديرات من التجاوز هي أقرب لمعانيها الحقيقية الفطرية.

2-البدل: كما في الحديث الشريف: (( صومي عن أمك ) )، ونرى أن معنى (التجاوز) أولى به بتقدير: (( دعي ثواب صومك يتجاوزك إلى أمك ) ).

3-الاستعلاء: كقوله تعالى (( .. فإنما يبخل عن نفسه ) ) (40) . أي على نفسه، والاستعلاء هنا غير حقيقي، لأنه يقتصر على إمكان استعمال (على) بدلًا من (عن) . فالمقصود فيما نرى هو: (( أن ضرر البخل يتجاوز الآخرين إلى نفس صاحبه ) ).

4-التعليل: كقوله تعالى: (( وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ) )، أي بسبب قولك. ولكن معنى (عن) هنا يتوافق مع معنى التجاوز المستمد من محصلة خصائص حرفيها ومعانيهما كما أسلفنا في مثال:

... (( تلقى الفقه عن شيخه ) ). ويظهر هذا المعنى جليًا لو عكسنا المعنى وقلنا: (( عبدنا الله عن قولك ) ).

5-مرادفة (بعد) : كقوله تعالى: (( يحرِّفون الكلم عن مواضعه ) ) (41) -وكقوله أيضًا:

... (( لَترْكبنَّ طبقًا عن طبق ) ) (42) أي حالة بعد حالة. والتجاوز هنا واضح لا يحتاج إلى تأويل أو تقدير. فالتحريف يتم هنا بنقل الكلام من موضع إلى موضع في حركة (انزلاقية-تجاوزية) . وكذلك الأمر في الانتقال من حال إلى حال.

6-الظرفية: كقول الشاعر:

(( وآسِ سُراةَ الحيِّ حيثُ لقيتَهم ... ولا تكُ عنْ حَمْل الرِّباعةِ وانيا ) ).

وهذا المعنى مردُّه إلى قول بعضهم بأن فعل (ونى) لا يتعدى إلا بحرف (في) بدليل قوله تعالى:

... (( ولا تنيافي ذكري ) ). ولكن (ابن هشام) يحيل هذا المعنى إلى التجاوز وهو الأصح. إذ أن معنى (ونى عن كذا) جاوزه ولم يدخل فيه، أما (ونى فيه) فمعناه، دخل فيه وفتر.

7-مرادفة (مِن) : كقوله تعالى: (( هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات ) ) (43) . ونرى أن التجاوز المعنوي في (( قبول التوبة(عن) عباده ))، أبلغ وأوفى للغرض من استعمال (مِن) للتوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت