الصفحة 61 من 146

... وذلك على العكس من استعمال (مِن) للمعاني الحسية بمعرض القبول والتقبل. فمن معاني (من) كما مر معنا آنفًا (الاستخراج) . ففي قوله تعالى (( .. إذ قرَّبا قربانًا فتُقبِّل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر ) )

(44) . يمكن صرف (التقبُّل منه) إلى (الأخذ منه) .

8-الاستعانة، نحو: (( رميت السهم عن القوس ) )أي بالقوس. ولكن السهم هنا يتجاوز القوس في حركة انزلاقية فكان معنى التجاوز أكثر توافقًا وتطابقًا مع واقعة الرمي بالسهام و أوفى للغرض من معنى الاستعانة.

9-مرادفة الباء، كقوله تعالى: (( وما ينطق عن الهوى ) ) (45) . ولكن معنى التجاوز هنا صريح، بتقدير (( وما يتجاوز نطقه(العقل والحكمة والحقيقة..) إلى الهوى )). وهي الأبلغ من (الباء) .

10-أن تكون زائدة، ولها ثلاثة أوجه:

... الأول: للتعويض من أخرى محذوفة، كقول الشاعر:

أتجزعُ إنْ نفسٌ أتاها حِمامُها ... فهلاّ التي عنْ بيْنَ جَنبيك تدْفعُ )) ..

أي: (( فهلاّ تدفع عن التي بينَ جنبيك ) )، فحذفت (عن) من أول الموصول وزيدت بعده. والصياغة الشعرية ركيكة، ولا عبرة لهذا المعنى فيما نرى.

الثاني: أن تكون حرفًا مصدريًا. وذلك أن بني تميم يقولون: (( أعجبني عن تفعل كذا ) )بدلًا من (( أعجبني أن تفعل كذا ) ). وهذه المصدرية لا أهمية لها لنشوذها.

الثالث: أن تكون اسمًا بمعنى (جانب) . وذلك حين تجر (بمن أو على) .

... ... فمن الأول قول الشاعر:

(( فلقد أَراني للرِّماحِ دريئةً ... مِنْ عن يميني تارةً وأمامي) .

ومن الثاني قول أحدهم:

(( على عنْ يميني مرَّتِ الطيرُ سُنَّحًا ... وكيفَ سُدُوحٌ واليمينُ قطيعُ ) ).

ومعنى التجاوز قد لحقها إلى (الاسمية) أيضًا. فمفهوم (جانب) ينطوي في حد ذاته على التجاوز وهو صريح في البيتين آنفي الذكر.

وهكذا، كان البصريون أصدق حَدْسًا بصدد حصر معاني (عن) جميعًا في التجاوز، الذي هو محصلة معاني حرفي (العين والنون) ، في حركة انزلاقية كما أسلفنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت