فهرس الكتاب
ثم يقرر الدكتور بشير أن الجيم القاهرية قد تطورت إلى (دج) في نطق قريش. ولكنه يعترف كزميله الدكتور أنيس ، بأن علماء العربية وإن وصفوا الجيم الأصلية بما ينطبق على الجيم القاهرية، فإنهم نسبوها إلى المنطقة التي تخرج منها (الشين والياء) ، وهي (بين وسط اللسان، ووسط الحنك الأعلى) . وهذه المنطقة برأيه هي للجيم القرشية (دج)
ونحن لو رجعنا من عالم التخمين والفرضيات إلى واقع الإيحاءات الصوتية لحرف الجيم بمعرض تأثيره في معاني الألفاظ التي يتصدرها، اذن لعرفنا كيف نطق به مبدعوه الأوائل ، معطشًا شاميًا أو غير معطش قاهريا. ولا عبرة بما يلفظ في (الساميات) لأن العربية هي الأصل.
فإذا وجدناهم قد استخدموه للتعبير عن المعاني التي يوحي بها صوت الجيم معطشًا، فإنهم لاشك قد لفظوه معطشًا طوال مرحلة إبداع تلك الألفاظ ، وإلا فيكونون قد لفظوه قاهريا غير معطش. وذلك: ( حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث) .
آ- الجيم المعطشة:
نظرا لشدة تدافع النفس أثناء خروج الجيم الشامية،. وما يحدثه من ارتجاج في مساحة واسعة من سقف الحنك، كان لابد أن تتنوع إيحاءاته الصوتية.
فالجيم الشامية المعطشة، توحي بالشدة والقوة والدفء والمتانة كأحاسيس لمسية، وبطعم الدسم ورائحته كأحاسيس ذوقية وشمية. أما إيحاءاتها البصرية فهي تتردد بين الفخامة والعظم والامتلاء. لتقتصر إيحاءاتها السمعية على شيء من الفجاجة ، وهي لا توحي بأية مشاعر إنسانية أصلًا.
ب- الجيم القاهرية:
صوتها الانفجاري يوحي بالقساوة والصلابة والحرارة والخشونة كأحاسيس لمسية، وبما يدل على أصوات مزيجة من الحدَّة والانفجار كأحاسيس سمعية، ولا إيحاءات أخرى في صوتها ، حسيةً أو شعوريةً.
فلو أن العربي قد أبدع الجيم قاهرية غير معطشة كما يقول الدكتوران أنيس وبشير، إذن لكانت ندرت بصورة خاصة المعاني الدالة على العظم والفخامة والضخامة والارتفاع والفجاجة في الألفاظ التي يتصدرها.