فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 316

وما كان ذلك ليضير الأم في مجتمع قائم بالفطرة على التشرد والقوة البدنية، لما فيه من الثقة بعفتها وأمانتها الزوجية، ومن ضمان حماية الرجل ورعايته لها ولأبنائها، ولو أُلحِقوا بالأمهات لضاع نسبهم ولفقدوا حماية الآباء. وذلك على العكس مما كان الحال عليه في المجتمع الزراعي المستقر، يوم (كانت) الحضارة الزراعية البكر تقوم على خبرة المرأة في شؤون الزراعة والتربية، فكان لها المقام الأول: ربة خصب تعبَد، وسيدة أسرة مستبدة تتحكم، تملك الزرع والضرع، ويلتحق الأزواج بها والأبناء.

وهكذا كانت نون النسوة بحدِّ ذاتها، عنوان ثورة ثقافية مستمرة في ضمير اللغة العربية، قادها الرجل الراعي ضدَّ المرأة الزارعة منذ آلاف الأعوام، عزْلًا لها عن مقام الصدارة في الأسرة، وتحجيمًا لدورها القيادي في المجتمع، وذلك على مثال ماكانت تفاحة حوّاء عنوان ثورة على قداستها وخصوبتها وتسلطها بحكم خبراتها السابقة في شؤون الزراعة والبستنة وفي فنون التربية والسياسة والسحر، منذ آلاف الأعوام أيضًا.

وإذا كان للنون هذا الفضل الثقافي الكبير في الكشف عن طبيعة المجتمع الرعوي وتقاليده، فلقد كان لها على اللسان العربي فضل فصاحة وأناقة ورشاقة أعظم.

فلولا النون تقي المتكلم من الكسر بنون الوقاية، لا نكسر لسان كل عربي آلاف المرات كل يوم.

ولولاها تسكُن النفْسُ إليها وتطمئنُّ الأنفاس في آخر المثنَّى وجمع الذكور والأفعال الخمسة، وفي التوكيد والتنوين، لكثر اللغو في اللسان العربي، ولتعطل شعره وتبلدت أناشيده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت