فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 316

فمياه النبع تكون في غاية النقاء والصفاء لحظة خروجها من باطن الأرض، ثم لا تلبثْ أن يأخذ بها الكدر والعكر، موقعًا بعد موقع بمقدار مايبتعد المجرى بها عن فوّهته.

أما النفس، فهو عند خروجه من جوف الصدر يكون في أول الحلْق مشحونًا بأكبر طاقة من الانفعالات النفسية التي يعاني المتكلم منها، وهكذا يتسنى للحروف الحلْقية أن تمتص هذه الشحنة قبل غيرها من أصوات الحروف. ولذلك ما أن يتجاوز النفَس جوف الحلْق حتى تأخذ هذه الشُّحنة في التلاشي مخرج صوت بعد مخرج، كلما بعد المكان بها عن جوف الصدر، وطال الزمن، ولو واحدًا في الألف من الثانية.

وإحساسًا بهذه الظاهرة الصوتية الانفعالية، كثيرًا ماتمنّى بعضهم أن يكون له مثل رقبة الجمل، فيمنحه طولُها فسحة في المسافة والزمن لمراجعة نَفْسِه، قبل أن يَظهر غضبُه وانفعالُه في صوته وكلامه.

وهذان المثالان من الموافقة والمفارقة بين النَفس ومياه النبع، وإن كان الغرض منهما مجرد التمثيل والتشبيه لتوضيح دور أصوات الحروف الشعورية الحلْقية في التعبير عن الانفعالات النفْسية التي تجيش في الصدر قريبًا من فوّهَة الحلق، فإنهما لا يخلوان من بعض الحقائق.

فقدرة أصوات الحروف الشعورية الحلقية على التعبير عن الانفعالات النفسية ذاتيًا، تعود بالدرجة الأولى إلى رقة أنسجة غشاء الحلق وحساسيتها الفائقة، لا إلى قرب الحلْق من جوف الصدر فحسب، فليس في جهاز النطق ماهو أقدر من هذه الأنسجة على امتصاص الاضطرابات والانفعالات التي تجيش في النفْس (بتسكين الفاء) والصدر معًا، ليصبَّها المتكلم المنفِعل في أصوات مهتزة أو مضطربة تجسِّدها تجسيدًا أكثر مما توحي بها إيحاء.

على أن قرب الحلق من جوف الصدر يعطي الأصوات التي تتشكل فيه فرصة أفضل لتلقي الانفعال النفسي بحيويته وتلوناته ودقائق رعشاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت