فهرس الكتاب
وهكذا كأني بأنسجة الحلق، بحساسيتها المفرطة وقربها من جوف الصدر، قد تحولت إلى مصفاة للانفعالات النفسية في اللسان العربي، فما تسرب منها إلى مختلف مخارج أصوات الحروف إلا القليل بعضها لحرف النون المهتز الصوت تعبيرًا عن حالات الخشوع والألم الدفين، وبعضها لحرف الصاد الصقيل، لمعاني الصفاء والنقاء، ومابقي منها لحرف الضاد المفخَّم لما يوحيه من مشاعر النخوة، مع الإشارة إلى ندرة المشاعر الإنسانية في معاني المصادر التي شاركت فيها هذه الحروف كما مر معنا في دراستها.
وهكذا.. لم يكن عبثًا أن أجّلتُ دراسة أصوات الحروف الشعورية الحلْقية إلى مابعد الانتهاء من دراسة بقية الحروف. فليس ثمة ماهو أعصى منها على تمحيص الخصائص والمعاني، وفي الإمكان إجمال هذه الصعوبات بمايلي:
آ- حساسية أنسجة الحلْق:
نظرًا لرقة أنسجة غِشاء الحلْق وحساسيتها المتناهية، فإن أصوات الحروف التي تتشكل على صفحاتها تتصف على العموم بخاصية الاهتزاز والاضطراب، بما في ذلك حرف (الغين) الحلقي الذي صنفناه في زمرة الحروف البصرية لمافي طبيعة صوته من موحيات الظلام والغؤور والغيبوبة. وماشذ عن خاصية الاهتزاز هذه سوى حرف الحاء الذي تحول الاهتزاز الرقيق في صوته إلى حفيف وصحل (بحّه) . أما الهمزة فصوتها انفجاري معدوم الاهتزاز، وهي مزمارية أصلًا لا حلْقية كما مر معنا في دراستها.
ب- خاصية الاضطراب في المشاعر الإنسانية: