فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 316

إن من يدخل في حالة من الحالات الشعورية، سواء أكانت سلبية من فزع أم حزن أو غضب، أم إيجابية من فرح أو شوق أوهوى أوهيام، لابد أن يشيع الاضطراب معها في نفْسه (بتسكين الفاء) . ولابد لهذا الاضطراب أن يتسرب إلى جوف الصدر وأنسجة الحلْق، وهكذا فإن الصعوبة التي عاناها العربي الفجر مع أنسجة حلْقه المهتزة بمعرض التعبير عن الانفعالات النفسية المضطربة، لا تقل عما يلاقيه فارس على صهوة جواد يحاول اصطياد طير يطير بسهام قوسه، وهكذا ظل العربي آلاف الأعوام يروِّض حنجرته وسمعه ومشاعره على هذه الرياضة الثقافية البالغة التعقيد، قبل أن ترسُخ قواعد هذه اللعبة الذكية في جملته العصبية جيلًا من الهُزَّاج والشعراء والفصحاء بعد جيل.

جـ- تنوع الخصائص الصوتية للحروف الحلقية تبعًا لكيفية التلفظ بها:

بحكم رقة الأنسجة الحلقية وحساسيتها الفائقة، وبحكم قربها من جوف الصدر، قد سهل على أصوات الحروف الحلقية أن تتكيف مع مختلف الحالات الشعورية والمعاني المراد التعبير عنها شعورية كانت أم غير شعورية فالرقة والنعومة في أصوات بعضها لمعاني الرقة والكياسة، أما الاهتزاز والاضطراب في أصوات بعضها الآخر، فلِما يحاكيها من الأحداث المضطربة والأصوات المهتزة، وأما الخنخنة فللعيوب النفسية والجسدية ولمعاني التقزز والقذارة والفحش وما إليها. ويزيد الأمر صعوبة في دراسة خصائص أصوات هذه الحروف على واقع المعاجم اللغوية، أنَّ كيفية النطق بصوت الحرف الواحد منها لاتعمل على تغيير إيحاءاته وبالتالي معانيه من حال إلى حال فحسب، كما لحظنا ذلك في حرف الجيم، وإنما قد تقلب معانيه من النقيض إلى النقيض.

وذلك لطواعية أنسجة الحلق، وقدرتها على التكيُّف مع المعاني المراد التعبير عنها، كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت