فهرس الكتاب
وهكذا، كان لابد لي من ملاحقة الحروف الشعورية الحلقية في مختلف مواقعها من المصادر لاستكشاف خصائصها الصوتية تبعًا لكيفية النطق بها كما كان لابد لي من الإكثار من الأمثلة للكشف عن كل خاصية منها.
وقد يجد القارئ أنِّي أكثرت من الأمثلة ولاسيما من غرائب الكلم أكثر مما ينبغي، إذ ما الجدوى منها على رأيه، وقد حُنِّطت هي ومعانيها في الزوايا الخلفية من المعاجم، لا يسعى اليوم إليها إلاّ منقب متخصِّص بالآثار اللغوية، وما أندره؟
وأردُّ على هذه التُّهمة الصحيحة بأنني قصدت من ذلك (إطلاع) القارئ على مبلغ رهافة أحاسيس العربي وشفافية مشاعره، وعلى نباهته الفطرية وأصالته الفنية بمعرض التعبير عن مقاصده ومراميه، ولاسيما وقد جاء معظم غرائب الكلم للمعاني الرديئة، فصورها العربي في غالب الأحيان بأصوات حروف رديئة الايحاءات، وصبها في صيغ متنافرة التراكيب لا يضاهيه في ذلك أي رسام (كاريكاتوري) معاصر على الإطلاق، كما جاء في المقدمة. فمعذرةً قارئي الكريم، وصبرًا جميلًا إنها فرصة العمر، ولن تحظى بمثل فكاهاتها الكاريكاتورية أبدًا.
د- صعوبة الاهتداء إلى المصدر الجذر:
لقد سبق أن لحظت أن العربي كان يلجأ في مراحل تطوره إلى إبداع أصوات حروفه، ومن ثم مختلف المصادر الجذرية للتعبير عن حاجاته الحضارية والثقافية المستجدة، فيشتق منها فيما بعد مايلائم معانيه. ولما كانت كيفية التلفظ بأصوات الحروف الحلقية من شأنها أن تغير في خصائصها ومعانيها إلى حد التناقض أحيانًا، فإننا سنلاحظ هذه الظاهرة في مشتقات المصادر التي تبدأ أو تنتهي بها. وهكذا لا يبعد أن نجد معاني مشتقات المصدر الواحد قد توزعت على سلم طويل متدرج من اللمسيات حتى الشعوريات.