فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 316

أما إذا لفظ صوته كما نلفظه اليوم بحناجر حضارية رخوة مرققًا مرخَّمًا، أوحى لنا بملمس حريري ناعم دافئ، وبطعم بين الحلاوة والحموضة، وبرائحة ذكية ناعمة، يطوف السمع فيه على مثال مايطوف النظر في سفح معشب خَضِر تتلاعب بأزاهيره نسيمات الربيع. وهو بحفيف النَفَس أثناء خروج صوته من أعماق الحلْق، يرفد اللسان العربي بأعذب أصوات الدنيا قاطبة، وأوحاها بمشاعر الحب والحنين.

وهكذا كان الصوت الغِنائي الذي يتصف بخصائص صوت الحاء هو أغنى الأصوات عاطفة وأكثرها حرارة، وأقدرها على التعبير عن خلجات القلب ورعشاته. ليتحول مثل هذا الصوت مع البحّة الحائية في طبقاته العليا، إلى ذوب من الأحاسيس وعُصارة من عواطف الحب والحنين والأشواق (أم كلثوم في الطبقات العليا من صوتها ونجاح سلام في شبابها) .

وماكان أجدر بالإنسان العربي أن يجعل من الحاء واحة عاطفية ظليلة لهذه المعاني من الرقة والشفافية والعذوبة وحكايات الحب والغزل. وذلك بمقابل ماجعل من جاره حرف الخاء سلة للنفايات، من معاني القذارة والبشاعة والعيوب الجسدية والعقلية والنفسية.

فهل فعل الإنسان العربي ذلك؟

إيضاح لابد منه:

يلاحظ في المصادر التي تبدأ بحرف الحاء أن ثمة للواحد منها معاني مختلفة تتعدد بحسب استعمالاته، لتتشتت بذلك معاني مشتقاته إلى أغراض قد تبلغ العشرات. ولذلك كثيرًا ماتنعدم الرابطة الحسية أو المعنوية، سواء بين معاني المصدر الواحد أم بين معاني مشتقاته. وهذا يجعل مسألة اختيار المصدر الجذر والمعنى الأصل في غاية الصعوبة والمخاطرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت