فهرس الكتاب
وهكذا.. شذّ صوت هذا الحرف عن الحروف الحلْقية جميعًا، بأن تحولت اهتزازاته الصوتية الواهية المضمرة إلى حفيف وصحل. وإخراج صوت الحاء من على صفحات الأنسجة الحلْقية دون اهتزاز أو اضطراب، يتطلب مهارة عفوية فائقة في التحكم بخلايا هذه الأنسجة الحساسة لمنع النفَس من الاهتزاز والاضطراب لحظة احتكاكه بها، فيخرج مع هذا التحكُّم الدقيق بما يشبه الحفيف. ولذلك يستحيل على غير السامي العربي أن يلفظ صوت الحاء لفظًا معافى. فهو إما أن يلفظه مشوبًا بهاء مخففة، وإمّا بهمزة مفخمة، أو خاء صريحة. ولهذا السبب من الصعوبة الفائقة في النطق بصوته، لم تستطع الشعوب الأوروبية أن تأخذه عن الأبجدية الفينيقية خلال الألف الثانية قبل الميلاد. كما أن الشعوب الإسلامية الشرقية لا تزال تلفظه في تلاوة القرآن الكريم مفخمًا مجعجعًا به قليلًا، وكأنه يخرج من جوف الفم لا من جوف الحلْق.
في إيحاءاته ومعانيه:
يقول العلايلي عنه: إنه (للتماسك، وبالأخصِّ في الخفيات، ويدل على المائية) .
وهذا التعريف المبهم الذي استخلصه العلايلي من (النصوص المحفوظة) ، أي من معاني الألفاظ التي يدخل في تراكيبها، يشير إلى عدم التزام العربي بالخصائص الصوتية لهذا الحرف بمعرض استخدامه في التعبير عن حاجاته ومعانيه، فغابت عن العلايلي خصائصه الفعلية.
ولكن ماهي المعاني التي يمكن استخلاصها من صدى صوت الحاء في النّفْس (بتسكين الفاء) ، وفقًا للنهج الذي اعتُمد في هذه الدراسة؟..
إذا لفظ صوت الحاء مشددًا مفخمًا عالي النبرة، أوحى صوته بالحرارة، وبأصوات فيها شيء من الحدّة، وبمشاعر إنسانية لا تخلو من الحدّة والانفعال.