لئن كانت هذه الدراسات تتماس مع بعض ما سبقها من الدراسات اللغوية حول خصائص الحروف العربية ومعانيها، فإنها ليست مجرد توسع لها، ولا استطرادًا لبحوثها، وإن كانت تعتبر استكمالًا لها، فهي تختلف عنها في منطلقها (الفلسفي) وفي نهجها (العلمي- الرياضي) كما سيأتي في المدخل، مما يحفظ لها استقلالها عن غيرها. وإذن ماذا عن الجديد في كل واحدة منها؟
أولًا- بعض الأضواء على الجديد في دراستي"خصائص الحروف العربية ومعانيها"؟
لقد حدست في أول كتاب لي"هذه أمة العرب في تجاربها"المنشور عام 1958 أن ثمة علاقات فطرية متبادلة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، أوجزتها في مقولة"لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن"ولقد تثبت من صحتها في قطاع المشاعر الإنسانية بكتابي الثاني"لا فن بلا أخلاق ولا أخلاق بلا فن"المنشور عام 961. ومن ثم وحسمًا لكل جدل حول هذه المقولة، خطر لي أن أتثبت من صحتها في القطاع اللغوي بحثًا عما إذا كان الإنسان العربي قد خصص الكلمات التي في أصوات حروفها (رقة، وأناقة، وجمال، ودماثة، وصقل، وفعالية...) وما إليها مما له صداه المحبب في النفس، لما يناسبها من المعاني الجيدة والعكس بالعكس، وبذلك يتحقق التوافق بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية في القطاع اللغوي أيضًا.
ولقد انجزت دراستي"خصائص الحروف العربية ومعانيها"للمرة الأولى عام 978 تحت عنوان"الحروف العربية والحواس الست"باعتبار أن (الشعور) هو الحاسة السادسة، وقد اتبعت في ذلك نهج من قال بفطرية اللغة العربية ممن اجمعوا صراحة أو ضمنًا على أن معنى الحرف العربي هو (صدى صوته في الوجدان، أو النفس) . وكان ابن جني أبلغ من عبر عن هذه النظرية اللغوية الفطرية بمقولته الشهيرة: (سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد"."