ومن ثم وفي إحدى مراجعاتي لها أفاجأ بأن الإنسان العربي الذي اعتمد الخصائص (الإيحائية) في أصوات بعض الحروف للتعبير عن معانيه، قد اعتمد أيضًا الخصائص (الهيجانية) وكذلك- الخصائص (الإيمائية- التمثيلية) في بعضها الآخر. وكان من طبيعة الأمور أن أعيد دراسة المشروع الأولى:"الحروف العربية والحواس الست"حرفًا حرفًا من (ألفه إلى يائه) .
وتستمر الرحلة بي بضعة عشر عامًا أخرى، فكان أعقد ما واجهني في تقصياتي خلالها ثلاث قضايا هي:
أولًا- التحري عن الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) المتوقعة في كل حرف، وذلك بحسب مواقعه في أوائل جميع المصادر الجذور إطلاقًا وكذلك لتسعة عشر حرفًا تقع في آخرها، ثم لستة أخرى تقع في وسطها. وقد تبين لي أن خصائص كل حرف تتغير من موقع إلى آخر، وذلك تبعًا لطريقة النطق بصوته: مشددًا عليه في مقدمة المصادر، ومرققًا منعمًا في آخرها، وبين بين في وسطها. وبذلك يكون للحرف الواحد العديد من المعاني بحسب مواقعه من المصادر الجذور التي يشارك في تراكيبها.
ثانيًا- أما أشق ما عانيته في هذه الدراسة فهو الاهتداء إلى المصدر الجذر الألصق بالطبيعة وإلى معناه الألصق بالفطرة.
وذلك لأن الأصل في معنى الكلمة العربية هو ما أخذه العربي مباشرة عن الطبيعة:"سوقًا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد"كما قال ابن جني. فيكون الأصل في معناه تبعًا لذلك هو الحسي ثم جاءت المشتقات بمعانيها الحسية الأخرى، ثم المجردة في مراحل ثقافية متطورة.
فمن (2931) كلمة ومشتقًا تبدأ بحرف (النون) عثرت عليها في المعجم الوسيط، ومن آلاف معانيها الحسية والمجردة، قد وقع اختياري على (368) كلمة اعتبرتها مصادر جذور. وقد اعتمدت لكل واحد منها معنى حسيًا واحدًا، وربما أضفت إليه معنى مجردًا ثانيًا في قليل من الأحيان، وذلك للكشف عن الرابطة الذهنية المميزة بين المعنيين: الحسي والمجرد.