الصفحة 35 من 121

ومن مظاهر تكريم الله لهم على ما ذكر المفسرون أن ناداهم باسم أبيهم الذي هو منشأ فخارهم وأصل عزهم، وأكثر فيهم الأنبياء والملوك وأعطاهم من الفضل والزيادة ما لم يعط غيرهم من شعوب الأرض حتى الأمم ذات الحضارات كالمصريين وسكان الأراضي المقدسة، ومن مظاهره أن جاوز بهم البحر وأخرجهم من مصر بعد أن أنقذهم من بطش فرعون وأشياعه العتاة، وما ذلك كله إلا لنفس الأسباب التي سبق ذكرها.

كما عمّهم سبحانه برحمته وبدعاء صالحيهم حتى في تيههم الذي استمر أربعين سنة والذي كان بين مصر والشام، وذلك عندما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم إثر أمر الله لهم بذلك بناءًا على رغبتهم في دخول الأرض المقدسة، بل وعقب قولهم لموسى بكل جرأة: (إنا لن ندخلها أبدًا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.. المائدة/24) .. وعندما شكوا إلى موسى ما أصابهم في الصحراء من حر شديد ومن قلة الطعام والشراب، أرسل الله إليهم الغمام يظللهم، وأنزل عليهم المنّ الذي يشبه العسل فكانوا يمزجونه بالماء ويشربونه، وكانت السُّمانى تأتيهم فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه إلى الغد، وأوحى الله إلى نبيه موسى أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بقدر قبائلهم، ومع كل هذه النعم التي تستوجب الشكر والامتثال، فقد قابلوها بالنكران واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وعلى الرغم من كل هذا فقد فتح لهم سبحانه باب توبته لهم ووعدهم إن هم دخلوا الأرض المقدسة سجدًا طالبين المغفرة بأن يحط عنهم خطاياهم، إلا أنهم ظلوا على ما هم عليه من عدم مراعاة تعاليم الرب ووصاياه، بل استهزءوا بها، وبدل أن يدخلوا باب بيت المقدس منحنين خاضعين دخلوه على أستاههم زاحفين، وبدل أن يقولوا (حطة) أي (حط عنا خطايانا) ، قالوا: (حنطة) ، وارتكبوا من المعاصي على إثر ذلك ما حجب عنهم تمكينه تعالى من بيت المقدس، وكان ما أخبر الله به في قوله: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت