حينما رزحت على صدر مجتمع المسلمين كوارث الكفر، وأقامت بين أظهرهم بوائِق الشر، وسلبتهم الأمم الغالبة حرية التصرف في شؤونهم وفق مقتضى شريعة الإسلام، وألزمتهم السير في ركابها، والأخذ بكل ما تمليه عليهم في نظام حياتهم، صاروا إلى حال من السوء أدنى ما تكون إلى الشك في صحة شريعة الإسلام وحقيقتها بالأخذ، وجعلوا يصرفون -مع اتساع رقعة الزمن- أبصارهم عنها، يأخذون لأنفسهم من غيرها مما قد يتفق أو لا يتفق مع صريح الشريعة، متأولين نصوصًا فقهية لا يُدرى في حقيقة الأمر صحة نسبتها إلى قائِليها، لكثرة ما أعتور مؤلفاتها، محاولين بذلك التلفيق أو التوفيق بين ما صار مفروضًا عليهم، وبين ما تفرضه الشريعة من أحكام، غير ذاكرين أن ذلك الشك لا يتطرق من قريب أو من بعيد إلى الأصلين اللذين يجب على كل من يطلب منه الإفتاء أن يعود إليهما في فتواه، إذ الإفتاء هو في حقيقته اجتهاد.
واختلاف العلماء في مسألة من المسائِل يعود في جميع أحواله إلى أمرين اثنين:
•…أحدهما: عدم توفر الدليل مما يحمل العالم على الاجتهاد قياسًا على مسألة، أو استنباطًا من دليل عام يتناول مسائِل كثيرة.
•…ثانيها: وجود الدليل ولكن ربما خفي وجه الدِّلالة فيه على المسألة التي دلَّل به عليها عالم، وظهر وجه الدلالة فيه بشكل أدق وأسلم لعالم آخر، وهذا يكون لاختلاف قوة النظر بين العلماء، بما أوتي كل منهم من فهم للنص ذاته، وبمعرفته بما يتصل به من أحوال تعين على فهمه، بغض النظر عن فلان أو فلان، فإن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق.