الصفحة 29 من 194

ثالثًا: ثمّ إن لم يكن لدينا ما يعين على فهمٍ يصلنا مع هذا التفريق بالعهد الأزهر الأول، فليس يصلح بنا ولا يحسن، أن لا نلتمس الدليل الذي يؤيِّدُ ويصدِّق الفهم الذي أردناه باجتهاد منا، علَّنا نخرج به طائفةً -ولو قليلة من أهل العلم الأتقياء، الأصفياء، النُّبلاء- من طول المقام، الذي لبثوا فيه زمانًا، إلى حقٍّ أردناه للناس، بظنٍّ منا أننا على صوابٍ، لا يُخلف ظَنَّنا الحسن في غيرنا، بما عندهم من علم، حسبوا أنفسهم أنهم به على صواب، وهذا خُلقٌ لا يجوز النفرة منه، أو النَّأْيُ عنه، صنيع بعض العبثة الصغار.

وقد رأينا هذا الدليل واضحًا قائمًا في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِينًا} ، ولا يبعد عندي أنّه هو الدليل الذي ارتضاه أهل العهد الأول الأزهر، فلم يكن به عندهم هذا التفريق العجيب الغريب، بين شرطي الصحة والكمال الذي صار فيمن بعدهم، لذا: سكتوا وأمسكوا، إذ لم يخطر ببالهم -وقد قرءُوا هذه الآية- أن يقولوا في أنفسهم -بَلْهَ أن يعلنوه في الناس-"شرط كمال وشرط صحة".

ونحن نظهر ونعلن في الناس ما سكتوا عنه، ونحركُ ما سكن فيهم، ونبدي لنا ولغيرها ما خفي عنا زمانًا، فإن أخطأْنا فالله عفوٌ غفورٌ حليم، وإن أصبنا فالله ودودٌ كريم شكور.

وليُعْلَمْ، أن ليس مرادنا نقل -القواعد التي صارت مسلَّمة في الأمة- عن مواضعها، وإبدالها بغيرها، لكن أردنا درءَ الفساد الذي غشي دارَ العلم وأهلها بسوءِ الفهم، واختلاط الأمور اختلاطًا، ينبئُ عن فقدان الذاكرة العلمية، كما سيأْتي بيانه في الصفحات الآتية من بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت