•…تاسعًا: وعليه؛ فنقول: إنّ الإخلاص بنوعيه لا يَعلَم صدقَه إلا الله وحده؛ لأنهما -أي: إخلاص القلب، وإخلاص الجوارح- كلٌّ منهما أثرٌ ومؤثّر، ولسنا نخطئُ الصوابَ؛ إنْ قلنا: الإخلاص هو الإيمانُ، والإيمان يزيد وينقص، كما صرّح بذلك القرآن بقوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124-125] .
أما البشرُ -فإنَّهم- حتى وإن رأوا الإخلاصَ العمليَّ بظاهر ما تجري به الجوارح؛ فإنهم لا يعلمون صدقه، وإلا لكان المنافقون هم منَ المخلصين الدّينَ لرب العالمين، وهم كما قال الله -عزّ وجلّ-: {فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ، فإذا عَلم الله -ولا أحدَ يَعلم الذي يعلمه الله- أنّ قائلًا: لا إله إلا الله؛ مخلص بها؛ فهو الذي يَؤول بعلم الله إلى يوم القيامة؛ نائلًا من رحمته بإخلاصه، النّجاة من الخلود في النار، وليس يعلم ذلك إلا الله وحده.
أما البشرُ؛ فإن حكمهم على من قضى الله -سبحانه- من عدم الخلود في النّار يوم القيامة؛ بإخلاصه في قول: لا إله إلا الله؛ مختلِف بالكليّة؛ لأن حكمنا إنما يكون بظاهر ما يكون من دلالة الإخلاص عليه، وحقيقة الإخلاص لا يعلمها إلا الله، وظاهر الإخلاص إنما هو بإذعان الجوارح بالعمل بما أمر الله -سبحانه-، وليس بغير ذلك، فلماذا القولُ على الله ما لم يقل؟
وأعظم ما يُستدلْ به على إخلاص الجوارح من أعمالها؛ الصلاةُ، فمن أتى بالصلاة؛ فهو بظاهر ما أدّاها به مخلصٌ، لا يؤثّر على إخلاصه الظاهر ما انتقص من عمله من غير الصلاة؛ إلاّ من أجر يزيد أو ينقص؛ بنقصه من عمل أو بزيادته.