لتعارفوا ... (2) .
ومن هنا نشأ المجتمع، وتداخلت مصالح أفراده، وظهر حب الأنانية والانتقام من الغير، والاعتداء على نفسه أو ماله، فكان لا بد من كبح جماح هذا الإنسان، فظهرت العادات والتقاليد، وكانت الحكم بين الناس، حيث كانت تقوم مقام القانون والشريعة في فض المنازعات.
وقد عرف القضاء وسيلة ناجعة للحكم، لإظهار الحقوق، وردها إلى أربابها، وفض المنازعات، ضمانًا لسلامة المجتمعات من الظلم والطغيان.
فهو سلاح بيد الضعيف يدفع به صولة القوي وعدوانه، وهو كذلك شمعة بيد القوي يستضيء بها في طريقه حتى لا يتجاوز حدوده، فيظلم الآخرين ويأكل حقوقهم.
ولا يمكن لأمة مهما تحضرت أن تستغني عن القضاء، وإلا كانت الحياة فوضى، لأنه الوسيلة الوحيدة التي تحفظ المجتمع من الظلم والتخبط، بل القضاء العادل علامة رقي الأمة وحضارتها.
ومن هنا أوجب الشرع الحنيف وجود هذه المؤسسة في المجتمع المسلم، بل وأوجب وجوبًا عينيًا على الفقيه أن يتولى منصب القضاء إذا تعين عليه، بحيث كان الوحيد لصلاح هذا المنصب.
ـــــــــــــــــــ
(1) مقدمة ابن خلدون ص46.
(2) سورة الحجرات آية 13.
ـ5ـ
فالقضاء إذًا مقام علي، ومنصب نبوي، به الدماء تعصم وتسفح، والأبضاع تُحَرّم وتنكح، والأموال يَثبتُ ملكها ويُسلَب، والمعاملات يُعلَم ما يجوز منها وما يحرم، وما يكره منها، وما يندب (1) ، إذ الخصومةُ من لوازم الطبيعة البشرية، فلو لم يكن هناك وازعٌ للقوي عن الضعيف لا اختل النظام وعمت الفوضى.