فهرس الكتاب
(4) سورة الأحزاب آية 36.
ـ48ـ
وقد بلغت هيبة القضاء في نفوس المتخاصمين عند السلف لدرجة أن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، لما ولي القضاء ظل سنتين لا يأتيه متخاصمان (1) ، لما اشتهر عنه من الشدة والحزم والغيرة على الحق، والقسوة على الظالم أيًّا كان مركزه الاجتماعي في القوم، والانتصاف للمظلوم مهما انحط قدره في الجماعة.
وكان الأمر كذلك بالنسبة للأحكام التي يصدرها الولاة في الأقاليم الإسلامية، ذلك لأن أخذ الحق وإعطاء الحق كان جزءًا من عقيدة الناس، ولأن السلطة القضائية كانت في يد الحاكم، أو من ينيبه الحاكم، وبذلك كانت الأحكام تتمتع بالقوة والسلطان في الظاهر، والاعتقاد بخبث الحرام في الباطن وإرادة التخلص منه، مما يجعل هذه الأحكام نافذة على جميع الأفراد بمجرد صدورها، وتخضع لها رقاب العباد، خشية السلطان، إن لم يكن هناك خشية من الله تعالى.
فلو رفض المقضي عليه الإذعان لحكم القاضي _ دون أي تظلم _ كان عند القاضي من الوسائل التي تمكنه من إيصال الحق، فله أن يسجن المدين الغني حتى يؤدي ما عليه، للحديث الذي سبق ذكره قريبًا (( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ) ). وله أن يوقع الطلاق عن الزوج الظالم المتعنت الضار، وله أن يحجز على أملاك المدين ويبيعها ليوفي الدائنين ... وهكذا، خوله الشارع الحكيم الكثير من الوسائل التي تمكنه من إقامة العدل، وإنصاف المظلومين.