فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 78

وقد وصف أحد أتباع الصدر في الستينيات حال رجال الدين الشيعة فقال:"إن رجل الدين بيننا قد لبس عباءته ووضع رأسه على يده، ومضى إلى النوم، وهو لا يستيقظ إلا ليقول للآخرين أن يناموا. إن حياته عاطلة، فلا يخدعنكم أنه يتحرك، ذلك أنه يتحرك للرجوع، ورجل الدين هذا يسيء بصورتين: عندما يرجع إلى الوراء، وعندما يجر الآخرين وراءه، لقد امتلأ عقله بأكثر الخيالات التي لا تقبل التصديق". (1)

وقد خاطب أحدهم يومًا عبد الحسين شرف الدين، كبير العلماء الشيعة في جبل عامل قائلًا:"هل كان هناك من يرد لك كلمة أو يعصي لك أمرًا، كان الجميع مذعنًا خاضعًا بين يديك يتخذ قولك الحد الفاصل بين الحق والباطل، ولو شئت أن ترمي بهم في البحر لما عصوا لك أمرًا؛ فهل كانوا مقصرين في السمع والطاعة والإذعان بين يديك، وهل لك أن تعتذر بأن القوم لم يسمعوا ولم يطيعوا؟! كان ذلك إشارة إلى التقصير الشديد للقيادة الدينية في التحرك بمهام الطائفة مع الرغم من توفر ما يعين على ذلك."

لقد كانت الزعامة الدينية في تلك المرحلة عاجزة عن مقارعة الزعامة السياسية والسلطة، وذلك بسبب عجزها عن قيادة الجماهير والتأثير السياسي؛ إضافة إلى قناعتها بأن مجال عملها في الحقل الديني والتوجيه الاجتماعي". (2) "

"وكان طالب العلم في النجف يقيم مدة تؤهله لإصلاح إحدى القارات الخمس، فإذا عاد إلى بلده لم يحصل له من المال ما يتناوله حارس أو موظف بريد، فانحطت مكانة عالم الدين الاجتماعية والأدبية انحطاطًا ذريعًا، حتى لقد أخذ بعضهم على أهل جبل عامل ضنهم على العالم بالرغيف!!". (3)

وقد تسببت هذه الحالة في حسرة ومرارة شديدة لدى الشيعة، حيث مثلت هذه الحالة حائطًا كبيرًا أمام تحقيق الأحلام المنشودة، ولهذا يقول وضاح شرارة:"ولا شك أن انصراف طلبة العلم الديني الإمامي إلى غيره وإحجام أبناء من استووا أعلامًا على التشيع، ليس في جبل عامل أو لبنان وحده، بل العالم العربي والإسلامي"الشيعي"كله عن اقتفاء سنة آبائهم، ظهر ذلك بمظهر تنكُّب تاريخ برمته، ولما كانت الجماعة العاملية التي جرى مثقفوها من علماء وأفندية وأساتذة على تسميتها بـ"الأمة"أناطت بتشيعها وببلائها وبلاء علمائها في حفظ التشيع ورعايته واستمرارها واستقلالها، وقع انقطاع المنقطعين عن طلب العلم النجفي عليها وعلى مثقفيها وقوعًا قاسيًا وأليمًا". (4)

وقد كان من أسباب اضمحلال التعليم الإمامي في لبنان والعزوف عنه أنه كان يؤخذ على جامعة النجف ـ إضافة إلى البعد المكاني ـ انزواؤها وانكفاؤها، وبعدها عن العالم المحيط بها ومشكلاته وقضاياه، وإذ تركها من تركها منهم أقبل على السياسة وعلى الحياة السياسية إقبال النهم وباشرها كتابة ودعاوة وتظاهرًا وتنظيمًا، أما من لم يتركها فقدم الدعوة إلى الإصلاح. واعتبر بعضهم أن أصل البلاء: هو عجز العلماء عن مماشاة العصر، وقال:"تطورت الحياة وجمدنا، وتكلم العصر وخرسنا، إن على العالم أن يتصل بجميع طبقات الشعب اتصالًا وثيقًا ويحيط بأحوالها مباشرة، ويسير بحسب التطور مع المحافظة على الدين الحقيقي". (5)

وبهذا فقد تمثلت المأساة الإمامية في لبنان في أمور عدة نوجزها بالآتي:

1 ـ غياب القيادة الدينية التي تمثل مرجعية واعية لتحقيق أحلام الطائفة.

2 ـ انكفاء العلم الإمامي على نفسه وعدم مواكبته لمتطلبات العصر.

3 ـ انحطاط مكانة العلم والعلماء بين عامة الناس وخواصهم.

4 ـ بُعد المدارس الدينية الشيعية الكبرى والذي يتطلب شد الرحال إليها والتحصيل منها مبالغ مالية كبيرة، وهو ما لم يكن في مستطاع الكثير من الناس وقتها.

5 ـ انصراف أبناء العائلات الدينية الكبيرة والمشتهرة بـ"بيوت علم ودين"عن طلب العلم الإمامي لأسباب مضت.

وهكذا اكتملت صورة المأساة للواقع الشيعي في لبنان، ولكن مع نهاية منتصف القرن العشرين الميلادي كانت هناك بدايات جديدة لحياة جديدة.

التثوير قبل الثورة

(1) الإسلام الشيعي، ص 189.

(2) راجع: غسان الشيخ علي، السلطة السياسية في جبل عامل بعد سنة 1920م، مجلة الباحث، العددان، 20، 21/ يناير ـ فبراير 1982م، ص 102 ـ 103.

(3) الوضع الحاضر في جبل عامل، ص 47 ـ 48، 232.

(4) دولة حزب الله، ص 30 ـ 31.

(5) الوضع الحاضر في جبل عامل، مغنية، ص 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت