فهرس الكتاب
ومما سبق نرَى أيضًا أهمِّيَّة أن يكون التكرار بالقدْر الكافي لنموِّ الفكرة كما ينبغي، ولو نتج عنه بطءٌ في اكتساب المعرفة، فالعبرة بجودة الثمار الناتجة وبركتها وقوَّة أصولها ومناعتها ضدّ الآفات لا بكثرة الأصول، والأهمّ هو نوع الثمار المطلوبة؛ فعَلَيك أن تغطِّي جوانب النقص في نفسك أوَّلًا؛ فتربِّيها على إدراك النهايات الحتميَّة وإدراك الواجبات وإتقانها وإدراك المحرَّمات والمشتبهات واجتنابها، وإدراك الأهمّ والأسلم والأنفع لك، وإدراك نتائج ما تفعل، وتربِّي الخضوع لله والزهد في الدنيا والعزَّة بالإسلام والسموّ للآخرة وحبَّ المؤمنين وحبَّ الخير لهم وبغض الكافرين وعداوتهم، وتربِّي الرفق إذا كنتَ قاسيًا وتربِّي الحلم إذا كنتَ غضوبًا، وتربِّي الحزم إذا كنتَ ضعيفًا متساهلا، وهكذا حتَّى تُصلِح ما تعرفه من عيوب نفسك، ثمَّ تكمل التربية الذاتيَّة مقتديًا بالنبي المصطفَى J بتكرار التفكُّر في حياته وسنَّته وكلام ربِّه عزَّ وجلّ .
واْعلم أنَّه لا علاقة بين التكرار للاستظهار (الحفظ) والتكرار للتربية، فالغاية من التكرار للاستظهار هي زيادة القدرة على التذكُّر ويحتاج فقط إلى تكرار القراءة الواعية باهتمامٍ وتركيز، أمَّا التكرار للتربية فغايته الإصلاح العميق الدائم وجوهره تكرار التدبُّر والتفكُّر بنيَّة التربية الذاتيَّة ويحتاج إلى الفهم الصحيح الواضح .
وعندما تَرَكَ الناس جوهر التعلُّم البنَّاء النافع ضعفتْ بركة العلم وقوَّته مع كثرته وسهولة تحصيله! نحن لا نريد المزيد من الحفَّاظ؛ حفَّاظ العلوم! بل نريد المزيد من العلماء الحكماء العاملين المؤثِّرين أينما كانوا بأفعالهم قبل أقوالهم شموسٌ على درب اليقين يهتدي بهم مَن حولهم رحمةً من ربِّهم ( .
وغاية العِلْم العمل
فلا عبرة بالعِلْم دون العقل والعمل
ولن تعود للعِلْم بركته على صاحبه ومن حوله
حتَّى يعود إلى الهدف الصحيح والمنهج الصحيح