فهرس الكتاب
وقَدْ تَسَلَّمَ الصَّحَابَةُ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُم ـ مَنْصِبَ الأُسْتَاذِيَّةِ فِي هَذَا، وتَتَابَعَ عَلَيْه أهْلُوْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرِيْعَةِ عَلَى تَوَالِي العُصُورِ، بالتَّفَقُّهِ وبَذْلِ الجُهْدِ الفِكْرِي .
وبِهِ: اسْتَمَرَ دُولابُ الحَيَاةِ مُتَرَابِطَ الحَلَقَاتِ بالدِّيْنِ، وحَبْلِ اللهِ المَتِيْنِ، وصَارَ جِسْرًا مُمْتَدًّا فِي الإسْلامِ، مُعْلِنًا الخُلُوْدَ، والنَّفَاذَ، واسْتِلْهَامَ الحَوَادِثَ والوَاقِعَاتِ، والصُّمُودَ أمَامَ ظُرُوْفِ الحَيَاةِ، ومُوَاجَهَاتِ العُصُوْرِ . وإذَا سَبَرْتَ الحَالَ لِمِيْزَانِ عُصُوْرِ القُوَّةِ، والنُّضُوْجِ، والتَّرَقِّي مِنْ عُصُورِ الضَّعْفِ والتَّهرِّي، حَمَلَكَ هَذَا إلى مَعْرِفَةِ مَدَى تَوَفُّرِ العُقُولِ الحَامِلَةِ لِمَلَكَةِ الاجْتِهَادِ الحَقِيْقِي فِي الأمَّةِ، الَّذِي يَسْعَى بِهِ مُكْتَمِلُ أدَوَاتِه إلى مَا يُرِيْدُ اللهَ مِنْ عِبَادِه" (1) ."
وأخِيْرًا: فإذَا عُلِمَ ما هُنَا ممَّا هُوَ مِنْ شَأنِ فِقْهِ الوَاقِعِ؛ كَانَ عَلَى أهْلِ العِلْمِ عِنْدَ الحُكْمِ عَلَى النَّوَازِلِ المُسْتَجَدَّةِ أنْ يُحَقِّقُوا مَنَاطَ النَّظَرِ فِي فِقْهِ الوَاقِعِ؛ لا سِيَّمَا وَاقِعَنَا الَّذِي اكْتَنَفَتْهُ مَسَارِبُ، ومَغَالِبُ تَدْفَعُ ( ضَرْورَةً ) بأصْحَابِ المُوَقِّعِيْنَ عَنْ رَبَّ العَالَمِيْنَ أنْ يَتَرَيَّثُوا فِي نَزْعِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الوَقَائِعِ المُعاصِرَةِ .
فَكَانَ مِنْ مَعِيْنِ الحِكْمَةِ، ورَبَّانِيَّةِ العِلْمِ: أنْ نَحْكُمَ عَلَى ( كُرَةِ القَدَمِ ) بوَاقِعِها الآنِيِّ، لا بأصْلِها الفَانِي!، وإلاَّ خَرَجَتْ الفَتْوَى قَاصِرَةً فِي حُكْمِها، حَاسِرَةً عَنْ وَاقِعِها !
(1) ـ"المَدْخَلُ المُفَصَّلُ"لبكر أبو زيد (1/77-78) .