فهرس الكتاب
انتفض جسده على رنين جرس المنبه، فنهض مذعورًا وأسكت الصوت حالًا. لم يستطع تحديد المكان الذي كان فيه، أو تذكر الوقت الذي نام فيه، إلا أن حالة الذهول هذه لم تستمر طويلًا، فقد استعاد بعد لحظات وعيه بالمكان والزمان معًا. تذكر أنه في بيته، وأنه نام بعد أن غادرت زوجته والأولاد البيت عصرًا، لم يرافقهم، رغم إلحاح زوجته. كان يحس بتعب ينخر كل خلية من خلايا جسده، ورغم أن عمره لم يتجاوز الخمسين، كان يشعر وخاصة في الفترة الأخيرة أنه قد تجاوز السبعين، بل والثمانين، صحيح أن صحته منذ الطفولة لم تكن على ما يرام، ولكنها الآن غاية في السوء، يطحنه إنهاك شديد، ويسيطر عليه شعور بالإحباط لا يشابههما ما كان يعانيه في ليالي المعتقل الموحشة. غادر غرفة النوم إلى الصالون، وقد عاودته آلام معدته. جلس على أحد المقاعد دون أن يضيء المصباح. تذكر بمرارة كيف رفسه المحقق بحذائه على معدته، عندما جاء دوره للتحقيق بعد اعتقاله بسنة تقريبًا، وهو يصرخ في وجهه بانفعال مجنون: أنت بطل يا ابن الكلب، سأحطمك، عندها فقد الوعي ونقل إلى مستشفى المعتقل، حيث بقي هناك حوالي الشهر، ثم أفرج عنه فيما بعد لاعتبارات صحية. حدث ذلك منذ سنوات، إلا أن آلام معدته ترافقه كظله، تغيب أحيانًا ثم تتفاقم فجأة وبلا مقدمات. ومما زاد في عذاباته التغيرات التي طرأت على العالم بصورة مغايرة لأحلامه وتصوراته، حتى الذين ناضلوا معه في يوم ما يلهثون هذه الأيام وراء خلاصهم الشخصي، دون أي اعتبار لأية قيمة نبيلة، لقد ضاعت كل التضحيات وتبددت كل الآمال كما كان يرى.