فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 75

خطر بباله فنجان من القهوة، فراقت له الفكرة، نهض وفيه بعض النشاط، أنار مصباح الصالون، واتجه إلى المطبخ. أعد القهوة ثم عاد إلى مقعده وأشعل سيكارة هي الثالثة في ذلك اليوم، لقد خفف التدخين إلى حد كبير، لم يعد مذاق التبغ مستساغًا كما كان. وقبل أن يبدأ في ارتشاف قهوته ألقى نظرة على ساعة الحائط. إنه ينتظر نشرة الأخبار المصورة، يود أن يشاهد أحداث الأراضي المحتلة. كل ما يهمه حاليًا أخبار الانتفاضة وما عداها لا يستحق حتى الذكر. لقد أحيت فيه بعض الأمل، وأنعشت في روحه بقايا حلم. اشتدت آلام معدته، وأحس بأنه غير راغب في إكمال قهوته، فأطفأ السيكارة، وتمدد على الديوانة المواجهة للتلفزيون. لحظات وتبدأ نشرة الأخبار، لا بد أن يكحل عينيه بمرأى الأطفال والصبية وهم يقذفون الحجارة بعنف على جنود العدو. داهمته نوبة دوار شديد، ولكنه انتبه إلى أن موعد النشرة قد حان. فنهض بتثاقل وضغط على زر التشغيل، كاد أن يقع ولكنه وبجهد جهيد عاد إلى مكانه. كان الخبر الثاني حول الانتفاضة، استجمع قواه وأصاخ السمع"شهداء جدد ينضمون إلى القافلة، العدو يتفنن في وسائل التعذيب فيلجأ إلى تكسير الأطراف، وسنعرض عليكم الآن فيلمًا قصيرًا عن تلك العملية الهمجية". ركز بصره فرأى جنودًا إسرائيليين يرفسون يافعين بأبواطهم، واليافعان يتلويان من شدة الألم. وبعد ثوانٍ ينحني بعض الجنود ليلتقط كل منهم حجرًا كبيرًا، ويبدؤون في تكسير الأطراف، ضرب وحشي قاتل، عندها صرخ صرخة مدوية، لم يحتمل، انهار فجأة، قذف من فمه كمية كبيرة من الدم وسقط على الأرض، رفع رأسه محاولًا أن ينهض، استقرت عيناه مرة أخرى على المنظر، كان التحطيم مستمرًا، هاجمته عندئذ نوبة غثيان جديدة، فقذف كمية أخرى من الدم، زاغ بصره وبدأ وعيه يتشوش، وصرخ بصوت مخنوق: لا تضربوني، إني أتألم، أطرافي، معدتي، آخ، آخ، ثم ارتمى على الأرض وسط بركة من الدماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت