فهرس الكتاب
غمرني شعور بالحرج الشديد، وانتصب أمامي سؤال ملحاح: لماذا أخطأتُ الفهم رغم أني استوعبتُ كل كلمة من كلماتها؟؟
تراب الوطن
أخيرًا أقلعت الطائرة به من مطار نيويورك متوجهة إلى مطار دمشق، بعد سبع سنوات طوال قضاها محمد عبد الرحيم في الولايات المتحدة، وهو يصل الليل بالنهار للحصول على الدرجة العلمية المطلوبة، الشهادة التي تحتويها الآن حقيبة يده مزينة بدرجة شرف. وخلال تلك الفترة لم يزر سورية ولو مرة واحدة، فكلفة السفر مرتفعة، وإمكاناته المادية محدودة. أسند رأسه على مقعده في الطائرة، وأطلق لخياله العنان. كل شيء سار على ما يرام في بلده - أثناء غيابه- باستثناء حادثة واحدة نغصت عليه حياته. فلقد مات أحمد العامري أعز صديق عليه بعد إصابته بمرض عضال، وعندما وصله الخبر الحزين خلال السنة الثانية من دراسته بكى كالأطفال. كان أحمد صديق طفولته وشبابه، أحبه من قلبه وبكل جوارحه، وقد قال له في المطار قبل السفر إلى الولايات المتحدة: ثق يا أحمد أنّي لن أنساك، فأنت الأخ الذي لم تلده المرحومة أمي. ترقرقت الدموع في العيون، عندها حاول محمد أن يخفف من تأثير الموقف، فأضاف مازحًا:
-وثق أني لن أنسى تراب الوطن الذي تكرره دائمًا على مسامعي.
ولهذا المزاح أسبابه القريبة والبعيدة. فقد كان أحمد العامري يؤكد لمحمد، بعد أن تقرر إيفاده إلى الولايات المتحدة، على أن قيمة أي بلد في العالم، ومهما تكن ظروفه أفضل، لا تعادل حفنة من تراب الوطن. وكان محمد يرد عليه محاولًا إغاظته دون إمعان التفكير:
-التراب هنا أو هناك متشابه، مجرد تراب.
فيرد عليه أحمد:
-إذا كنت جادًا، فأنت غلطان، وستبرهن لك الحياة على خطل رأيك.
وأكثر من ذلك، كان من عادة أحمد أن لا يستخدم كلمة الوطن إلا مقرونة بالتراب، حتى أن محمد قال له ذات مرة مداعبًا:
-سأسميك أحمد تراب الوطن. فأجاب بلهجة حازمة:
-إنه شرف كبير.