فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 75

كم يحزنه أن لا يجد"أحمد تراب الوطن"في استقباله. عزاؤه أنه سيرى والده وإخوته وأخواته وعددًا كبيرًا من الأصدقاء المخلصين. ولكن ما يقلقه عدم سماع صوت أبيه خلال الاتصالات الهاتفية الأخيرة التي جرت بينه وبين إخوته. تبادرت إلى ذهنه احتمالات عدة ولكنه نحاها جميعًا، وأقنع نفسه بما قاله له أخوه الكبير في آخر اتصال هاتفي:

-ذهب أبوك إلى القرية بعد أن اطمأن على تخرجك وعودتك القريبة، إنه يريد أن يستقبلك وهو في صحة رائعة.

سبب معقول، فرغم إقامتهم في مدينة حلب إلا أنهم في الأصل من قرية"عين"، وما زال لهم هناك منزل متواضع يؤمونه بين الحين والآخر للاستجمام والراحة.

إنه في شوق عارم لملاقاة الجميع، الجميع بلا استثناء، صحيح أن بعضًا منهم قد أخطأ معه في يوم من الأيام، إلا أن روح التسامح تنداح في قلبه كسيل عرمرم ترفدها مشاعر الفرح المتفجرة بلا انقطاع.

"حقًا إن الغربة موحشة والحنين إلى الوطن قتال"، كرر ذلك مرات عديدة بينه وبين نفسه، ثم استدرك بأسى احترامًا لذكرى أحمد"والحنين إلى تراب الوطن قتال". صحيح أن البشر بشر في كل مكان، وأن البيوت والشوارع والمحلات عمومًا متشابهة، إلا أن هناك فروقًا جوهرية يصعب التعبير عنها. فرغم تمكنه من اللغة الإنكليزية، وقدرته على التواصل مع الآخرين في الغربة، ورغم إقامة بعض علاقات الصداقة مع زملائه الطلبة، إلا أنه كان يحس في أعماقه أنه غريب ومعزول. في الوطن، كل شيء له حكاية، له تاريخ، له طعم، له رائحة تؤكد وجوده وإنسانيته، أما في بلد أجنبي، فهذه الأمور لا تخصه، ولا تثير فيه أي إحساس أو شعور أو فكرة.

يحاول أن يوقف تأملاته وتداعي خواطره وذكرياته فيفشل، إلا أن صوت المضيفة، وهي تعلن الاقتراب من مطار دمشق، يمكّنه من السيطرة على نفسه، لقد لازمه فجأة إحساس بأنه على وشك الإفراج عنه بعد سجن طويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت