فهرس الكتاب
وحينما دخل قاعة المطار أحس بأن خفقات قلبه تتسارع على نحو لم يألفه منذ زمن بعيد، وأن عينيه مشدودتان، كما لو أنهما تودان الخروج من محجريهما، وبعد لحظات يجد نفسه بين الجميع تغمره قبلاتهم الحارة وتحياتهم القلبية، ولكن أين والده؟
يسأل ويلح في السؤال. يقول له أخوه الكبير: ما زال في القرية، إنه متعب قليلًا، لم يقتنع، يحس إحساسًا صادقًا بأنه قد مات. يكبت عواطفه، لا يحب أن يشوه فرحة اللقاء. وفي حلب يبلغونه بالحقيقة، لقد مات والده منذ أيام قليلة.
يقرر السفر مباشرة إلى القرية، لا بد من زيارة قبر ذلك الرجل الذي حَلُم آلاف المرات بضمه إلى صدره، بتقبيله، بالاستسلام لذراعيه الحانيتين، الرجل الوحيد الذي يحوله إلى طفل صغير.
دخل مقبرة القرية مع مجموعة من إخوته وأصدقائه، وعند القبر توقفوا. كان القبر يتوسط قبور أعمامه السبعة. وفي لجة دموعه الغزيرة الحارقة وأشواقه المكلومة، داهمته رغبة ملحة بتقبيل تراب القبر الذي مازال رطبًا. وفي هذه اللحظة قال له أحد إخوته محاولًا أن يكسر الصمت الثقيل الذي خيم على الجميع: لقد دفن والدك في قبر جدك، الغريب أن الرفاة التي وجدناها في القبر كانت كثيرة جدًا، يحتمل أن يكون جد جدك كان مدفونًا هنا أيضًا. عندئذ انحنى على قبر والده بخشوع وملأ قبضة يده من التراب ثم قبله بشفتين مرتجفتين وهو يقول:
أرجوكم خذوني إلى قبر أحمد تراب الوطن. لم يعرف أحد من هو ذلك الشخص، إلا أن أحد الحاضرين خمن بفطنة من هو المقصود فانبرى قائلًا:
-قبر أحمد العامري خلفك.
استدار، فإذا به أمام شاهدة قبر أحمد. لقد أدرك الآن معنى تراب الوطن، ثم همس: رحم الله أحمد تراب الوطن، وبارك الله في تراب الوطن.
حتى الحب يموت