فهرس الكتاب
الأمور كلها تبدو على السطح مُطمئنة، قررتُ مباشرة أن لا أكون البادئ في فتح الموضوع، وأن لا أشير حتى مجرد إشارة إليه، لذلك دارت أحاديثنا حول مواضيع شتّى، ثم طلب القهوة.وحين وُضِع الفنجان أمامه، أشعل سيجارة بهدوء ثم سرح قليلًا وانطلق يقول:"منذ سنوات شهدتُ فيلمًا بعنوان صيف ودخان، قصة الفيلم مقتبسة من مسرحية أمريكية. إنها قصة حب رائعة. فتاة مرهفة رقيقة تقع في حب طبيب شاب ماجن، لا يهمه من المرأة سوى إشباع رغباته الجنسية. وذات يوم كما أذكر، جاءت الفتاة إليه وهو في حالة سُكر شديد. وعندما حاول أن يراودها عن نفسها امتنعت بإصرار. فما كان منه إلا أن أمسك بعصا طويلة مدببة الرأس وهو يترنح من السُكر والانفعال، وتقدم من صورة تشريحية لجسم الإنسان، ثم أشار بالعصا إلى الجمجمة قائلًا: هنا عقل يتطلع إلى المعرفة، ثم نقل المؤشر إلى المعدة قائلًا: وهنا معدة تتوق للطعام، ثم حوّل المؤشر إلى مكان العضو الجنسي قائلًا: وهنا عضو يتحرق للذة، وختم محاضرته مؤكدًا: هذا هو الإنسان، وكأنه يريد أن يقول للفتاة: أنتِ لا تفهمين حقيقة نفسك. عندها غادرت الفتاة الغرفة وهي تنتحب بصمت. بعد سنوات قليلة وخبرات عديدة، عاد الطبيب للبحث عن الفتاة التي هدها الحب الفاشل، وحولها إلى شبح. وعندما التقى بها، قال لها فيما قاله، والندم يكاد يقتله:"
-لقد عرفتُ الآن- وبعد أن خضت غمار الحياة- أن هناك شيئًا ما في حياة الإنسان لا يمكن أن نعبر عنه بالكلمات، لا يمكن أن نمسكه، لا يمكن أن نلامسه، إنه أشبه بدخان خفيف في أمسيات الصيف الجميلة، إنه الحب.
ولكن الفتاة لا تستجيب لندمه، وتتركه إلى الأبد.