الصفحة 14 من 62

المطلب الأول

ماهية هذا الكون وكنه هذا الفضاء

الكون الذي يحيط بنا مخلوق من مخلوقات الله الكثيرة، وهو كغيره من المخلوقات كائن مأمور مطيع لقوانين الخلق الرباني وأنظمته بالقهر [1] ، فإرادة وجود الكون من حيث الخلق من نفسه وبنفسه منتفية ومستحيلة، ولا مجال أن ينسب إليه الاختيار [2] ، وقال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [3] ، وقال عز من قائل: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) [4] ، وقال سبحانه وتعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [5] ، ومثل الكون - في نفي القدرة على الإيجاد - بقية العوالم الأخرى الموجودة فيه، سيارة كانت أو ثابتة من نجوم وكواكب ومجرات ورعد وبرق وخسوف وكسوف وسحب وغيوم الخ، فينسب إليها هي الأخرى - القهر في الوجود فلا تستطيع إحداها أن تغير من نظامها أو تخرج عن مدارها دون أن يشاء الله لها ذلك [6] ، فسبحان مدبر أحوالها وأوضاعها ومحرر قوانينها (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [7] .

أما إذا ظن ظان أن أمور الكون ترجع إلى أسبابها الشكلية دون الجعلية ولألفاظها الدالة عليها

(1) أحمد البهادلي، محاضرات في العقيدة الإسلامية، ص 161، وانظر عبد الرحمن حبنكة، العقيدة الإسلامية، ص 225.

(2) يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي في كتاب القيم: (كبرى اليقينيات الكونية) ، ص 293 ما نصه: إن على المسلم أن يعتقد عقيدة جازمة أن لا تأثير في الكون لأي شيء إلا لله عزّ وجل، وإن كل ما يتراءى لنا من مظاهر الأسباب والعلل إنما هو أسباب وعلل جعليه، جعلها الله عز وجل كذلك، وأن ما قد يجده الباحث فيها مما يسميا العلم بالعوامل والمؤثرات وما إلى ذلك إنما هو كذلك من حيث الظاهر فقط، والعلم لا شأن له بالأشياء إلا أن يصفها على ما هي عليه في أدق مظاهرها، ثم يمارس هذا الوصف بالتجربة في مجالات متكررة.

(3) سورة القمر، أية 49.

(4) سورة الرعد، أية 8.

(5) سورة الفرقان، أية 2.

(6) عبد الرحمن حبنكة، مرجع سابق، ص 225.

(7) سورة القصص، آية 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت