فهرس الكتاب
فما دام أنه لا يتعارض مع قواعد الشريعة، ولا يؤثر على حياة الناس الصحية عندما تنثر المحاليل في الغيوم، وما دام أنه لا يهدد الأرض من حيث كميات الأمطار لا في زمن النثر ولا بعده، وما دام أن رواده والقائمين عليه لا يزعمون أنهم قادرون على أن يصنعوا سحبًا تمطر، وإنما هدفهم المعلن إضافة كميات مطر جديدة للأرض، أو إضافة كميات إضافية من المطر لتحسين نمو الأرض، وزيادة رقعتها الزراعية، وتوفير مخزون مائي للمستقبل، ما دام أن كل ذلك كذلك فلا نرى فيه شيئًا مخالفًا لتعاليم الشريعة، لكي نصدر حكمنا عليه بالتحريم أو المنع، إنما تطبيقاته الشرعية والعلمية ممكنة، وأهدافه نبيلة ما لم يخرج عن الغاية والشأن الذي أقر من أجله، أما إذا رتبت له استخدامات سيئة، وخرج عن إطار المشروعية والأهداف المتوخاة منه، عند ذلك يكون حرامًا، أو طريقًا مؤديًا إلى الحرام، لما فيه من نزعات شر في عقول وصدور منفذيه من حقد واستعلاء وغرور وجهل، هذا والله تعالى أعلم بالصواب.
الخاتمة
أما ونحن نروم إلى نهاية المطاف في بحث الاستمطار - بعد أن لاحظنا أن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان لا تمانع الاكتشافات والإبداعات والتجارب العلمية، ويأتي إمطار السحب ليشكل واحدة من هذه الإبداعات والتجارب العلمية - أقول: جدير بكل الذين أوصلتهم علومهم وأدت بهم تجاربهم إلى جدية استمطار السحب أن يتبينوا ما قلناه آنفًا من أن السحب التي نجد في استمطارها بمختلف أنواعها، ولا سيما الركامية منها القريبة من الأرض، وأن الأجواء التي نجري فيها تجارب الاستمطار، وأن الرياح التي تساعد في عملية تلقيح السحب، وأن المحاليل التي نقذفها في السحب لزيادة حمولتها من المطر كلها مخلوقات وعوالم لله سخرها الله عز وجل لخدمة الإنسان، ليكمل مشوار إعمار الأرض وتهيئة ما فيها من سبل ومعايش، كل ذلك ثابت بالقرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الفقهاء، مع بيان شروطهم التي سقناها لتقريب موضوع الاستمطار إلى الأذهان بالطرق الصناعية التي أشرنا إليها، مما يجعل شأن الاستمطار صحيحًا ومجديًا، بناء على ما توصل إليه عقل الإنسان من تجارب علمية رائدة في هذا المجال بترتيب وتنظيم من الخالق العظيم جل وعلا، القائل في محكم تنزيله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) [1] ، والقائل: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [2] ، والقائل: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) [3] ، كل ذلك صحيح ما لم تستهو هذا الإنسان نزعة الشر والحقد والظلم ليحول مشروع الاستمطار وعلم الاستمطار باستخدامه السييء له إلى سلاح يفتك بالبشرية، والى أداة تحرق الأرض وتلوث الجو، وتدمر البيئة، وتقتل الإنسان والحيوان
(1) سورة الأعراف، آية 10.
(2) سورة الذاريات، آية 22.
(3) سورة الرحمن، آية، 33.