الصفحة 2 من 19

وليس هذا غريبا، بل هو من قبيل واقعية الشريعة ـ والواقعية من خصائص الشريعة الإسلامية ومفاخرها ـ إذ أن الإسلام لما أنزل في ناس كانوا يألفون ويعتادون أعمالا منها الطيّب النافع، ومنها الخبيث الضّار سواء كان نفعه أو ضرره يتعلق بالاعتقاد، أو بالنفس أو بالعرض أو بالمال، أو بالعقل.

فأقرّ منها الطيّب والنافع، ونفى وحرّم الخبيث والضارّ. وشرع من الأحكام ـ غير ما ألفوه واعتادوه ـ ما ينسجم ويأتلف ويتفق مع الضرورات الخمس؛ وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل والعرض، وحفظ المال. وهي كليات وأصول اتفقت الشرائع كلها على حفظها.

وإذ لم نجد دليلا خاصا من الكتاب والسنة في التدخين، فلا نسارع إلى القول بإباحته وحلّه أخذا من قاعدة قال بها جمهور الأصوليين"الأصل في الأشياء الإباحة".

لأن من شروط هذا الشيء أن لا يتعارض وقواعد الشريعة ومقاصدها.

وإذا نظرنا إلى التدخين من هذه الوجهة؛ وجدناه يتعارض مع الصحة ـ بشهادة الأطباء وهم أهل اختصاص ـ وهي ضرورية لحفظ النفس.

ونجده كذلك يتعارض مع ضرورة حفظ المال، والإنسان مستخلف في مال الله، ومأمور أن يضع هذا المال في ما يعود عليه بالنفع؛ من غذاء أو شراب أو دواء أو تعليم أو نحوه. والتدخين ليس بغذاء ولا دواء، ولا يجني المدخن من سيجارته إلا أبخرتها، أو رمادها الذي تبقيه بين أصابعه، ليت الأمر يقف هنا، بل والسموم التي يدخلها إلى جوفه، فالتدخين لا يسمن ولا يغني من جوع، وليس هو دواء، وإنما هو داء بشهادة الأطباء.

قلنا: إن التدخين لم يكن معروفا في العصور الفاضلة؛ زمن النبوة، والخلافة الراشدة، وعصر الأئمة المجتهدين، أصحاب المذاهب المتبوعة، فمتى عرف التدخين إذا؟

لقد ظهر التدخين في القرن السادس عشر الميلادي حين أدخل المكتشفون الأسبان لأمريكا عادة التدخين إلى بلادهم ومنها إلى فرنسا، ثم بقية بلدان العالم.

ومنذ عرف المسلمون التدخين في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر؛ اجتهد الفقهاء في الحكم الشرعي له، ولكنهم اختلفوا، فذهب معظمهم إلى أنه حرام، وذهب آخرون إلي أنه مكروه، وقال غيرهم إنه مباح، وتوقف في الحكم آخرون.

وانصبّ نظر الفقهاء في تلك الفترة ـ في حكمه ـ على قدر ما نمّي اليهم من معلومات عنه، وكان قصارى ما يفعلون أن يلجؤوا إلى القياس، ولم يثبت لديهم أن في التدخين ضررا صحيا، فكان نظرهم إلى متعاطيه أكثر من نظرهم إلى المادة التي تدخن. وقد قيل لهم إنه لا ضرر فيه، فاعتبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت