فهرس الكتاب
القارئ الكريم أن يعود للكتب المنقول عنها ويقرأها بالكامل، فإنه سيَخرج بفوائد كثيرة لا أستطيع إثباتها في هذا المختصر لأنها تحتاج لنقول طويلة حتى تفهم، ومن جملة هذه الفوائد أن يعلم أنّ تفريغ منطقة السعي من البيوت بدأت منذ عصر الصحابة، وهكذا حتى أمر الخليفة المهدي بشراء كل بيت أو جزئه الداخل في حد المسعى ووقفه لسعي المسلمين، ومع مرور العصور والأزمان فإنّ بعض الناس بدأ يعتبر ما أمام بيته ملكًا له، وبعضهم فتح دكانًا مطلًا على المسعى وشيئًا فشيئًا بدأ بوضع بضاعته أمام دكانه حتى صار الأمر كأنّ دكانه في المسعى، وبعضهم وضع بضاعته أو عرض خدماته ضمن أرض المسعى دون أن يكون له أدنى ملكية فيما حول المسعى، فكلُّ هذه التعديات على المسعى كانت بين رخوٍ وشدٍّ، فأحيانًا يأتي أميرٌ لمكة أو قاضٍ فيزيل تعدي البيوت أو الصناع والتجار وأحيانًا تسيب الأمور، وبقي الأمر على هذه الحال حتى عصرنا الحديث حيث أزيل كل مبنى ملاصق للمسعى أو قريب منه، كما مُنع البيع في المسعى أو إدخال الأغراض ما عدا الأغراض الشخصية الصغيرة، وتمت متابعة هذه الأمور على مدار الساعة من قِبل رجال مكلَّفين بهذه المهمة من قبل المملكة السعودية وتم تزويدهم بكل الإمكانات المادية والمعنوية، ومع هذا كله فإننا نرى اليوم أنّ بعض الشباب يقف في المسعى ومعه عربة لجر كبار السن بالأجرة أو لتأجير العربة على الرغم من متابعة شرطة الحرم [بعضهم باللباس العسكري وبعضهم باللباس المدني] ومعاقبتهم لهؤلاء الشباب الذين لا يحملون ترخيصًا بمزاولة المهنة ضمن المسعى، وكذلك شأن سوق الليل قبل هدم أغلبه هذا العام 1429هـ فالمحلات تُعلِّق وتَضَع أمامَها بضائعها، وكذلك بعض النساء والرجال يضعون خرقة في منتصف الشارع ويَعرضون بضائعهم وأحيانًا يَعرِضون بضائعهم لمن يلقاهم وهم يمشون في السوق، كلُّ هذا يجري على الرغم من المتابعة والإمكانات الكبيرة لموظفي وشرطة البلدية، فإذا كانت مثل هذه الأمور تجري في عصرنا فكيف كانت في العصور الماضية؟ علمًا أن المسعى كان سوقًا حتى ما قبل التوسعة السعودية [1] .
(1) قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات 4/ 5: (اعلم أن السعي وهو ما بين الصفا والمروة وادٍ، وهو سوق البلد) ، وقال المقدسي في أحسن التقاسيم 1/ 43: (وبمكة تُنصب القباب ليلة الفطر ويزين السوق بين الصفا والمروة) ، وقال ابن جبير في رحلته 1/ 31: (وما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية، والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام، وحوانيت الباعة يمينًا وشمالًا، وما للبلدة سوق منتظمة سواها إلاّ البزّازين والعطّارين) ، وقال ناصر خسرو في سفرنامه 1/ 33: (وما يسمَّى السعي بين الصفا والمروة هو المسعى في هذه السوق مِن أولها لآخرها) . وقال عطية محمد سالم في دروس شرحه على بلوغ المرام عند وصفه لما كان عليه المسعى قبل التوسعة السعودية: (وكان المسعى سوقًا وعلى جانبيه الدكاكين والمطاعم، وهذا كما كان عليه في السابق) .