فهرس الكتاب
الجواب: هذا الاستدلال لتوسعة المسعى خطأ جملة وتفصيلًا، وإليك البيان:
1.لا توجد ضرورة لتوسعة المسعى: فإن المسعى يتسع لجميع المعتمرين والحجاج، ومهما اشتد الزحام في المسعى فإنه يصل لدرجة الانزعاج المحمول وليس لدرجة الأذى أو الموت، وهذا كلام أقوله لأني خبير به، ومَن عرفني فقد عرف خبرتي.
2.ثم على فرض وجود ضرورة لتوسعة المسعى في الحال أو المآل باعتبار خطة زيادة عدد الحجاج فإنّ أغلب علماء الأمة أجازوا السعي في فضاء المسعى، لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى راكبًا ولأنّ مَن ملك أرضًا ملك فضاءها، فيمكن التخلّص من المشكلة ببناء طوابق فوق بعضها، وكذلك طوابق تحت الأرض، فلماذا الإصرار على بناء مسعىً ثانٍ واستباحة المحرَّمات مِن أجله؟! ومَثَلكم كمثل مَن غصّ بلقمة وأمامه كأس من الماء وكأس من الخمر فشرب الخمر وقال: الضرورات تبيح المحظورات!!
3.إنّ قاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"وغيرها صحيحة وشرعية ولكنها تطبق ضمن ضوابط وفي مسائل معينة وليس في جميع مسائل الدين، وهذا المعنى مقرَّر لدى علماء أصول الفقه في جميع المذاهب الفقهية ولكن سأكتفي بنقلٍ واحدٍ، فقد قال ابن نُجَيم في الأشباه والنظائر 1/ 117: (المشقة والحرج إنما يُعتبر في موضوع لا نص فيه، وأمّا مع النص بخلافه فلا يجوز التخفيف بالمشقة) ، وقد مرت بك عشرات النصوص التي تحدد طول وعرض المسعى، فإذًا ثمة أحكام شرعية لا تخضع لهذه القواعد، وثمة أحكام تخضع لهذه القواعد ضمن ضوابط حدّدها الشرع في كل مسألة، وسأضرب أمثلة لتوضيح الفكرة، فحرمة شرب الخمر تخضع لقاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"، فإذا غصّ شخص وأمامه كأس خمر جاز له شرب الخمر ولكن بشرط أن لا يوجد بديل لتفادي المشكلة وبشرط أن يشرب بمقدار الضرورة فقط لا بمقدار ما يشتهي، وأمّا مثال الحكم الذي لا يخضع لقاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"فالوقوف بعرفات في وقتٍ محدَّد لصحة الحج، فإنه لا يصح حج مَن لم يقف بعرفات في الوقت المحدّد مهما كانت الضرورة ومهما كان سبب عدم الوقوف ومهما كان العذر، ولا توجد أيُّ ضرورة مهما بلغتْ تجعل الحج صحيحًا لمن لم يقف بعرفات، ولو قرأنا التاريخ لوجدنا أنّ حاجة الأمة لتوسيع أرض عرفات لِتَشمَل العالم الإسلامي أو توسيع زمن الوقوف بعرفات ليشمل أيامًا متطاولة كلُّ هذا تحتاجه الأمة حاجة عظيمة أكثرَ مِن توسعة المسعى، وثمة الألوف المألفة من