5 -أن القول بالتحريم هو الموافق لتكريم القرآن وتعظيمه، فإن الله عز وجل وصف القرآن بأنه كريم وأنه لا يمسه إلا المطهرون، فعظمه الله تعالى وكرمه، فالأليق بتعظيمه والأنسب لإجلاله وتكريمه أن لا يُمس إلا على طهارة كاملة، لأن مسه بغير طهارة مخل بتعظيمه وتكريمه.
6 -أن القول بالتحريم هو المنقول عن الصحابة زمن النبوة وبعدها، من غير خلاف بينهم، ولذا قال به أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم، وجماهير أهل العلم حتى قال ابن عبد البر (أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا طاهر) [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما مس المصحف فالصحيح أنه يجب له الوضوء كقول الجمهور وهذا هو المعروف عن الصحابة سعد وسلمان وابن عمر) [2] فدل ذلك على عدم الاعتبار للمخالفين، وعدم الاعتداد بقولهم لضعف أدلتهم.
فحسْب المسلم ما أجمع عليه الصحابة، وأفتى به أئمة التابعين، واختاره من بعدهم من أئمة الإسلام المجتهدين في العصور المفضلة وما بعدها إلى يومنا هذا، حيث هو القول المختار المفتى به عند المحققين من علماء العصر وفقهائه [3] .
المبحث الثاني: حكم الطهارة للصغير
والمراد بالصغير هنا الصغير المميز، أما غير المميز فلا يجوز تمكينه من مس المصحف، ويأثم من مكنه من ذلك [4] .
وقد اختلف العلماء في حكم مس المميز للمصحف على غير طهارة على الأقوال التالية:
القول الأول: أنه يجوز للصغير مس المصحف على غير طهارة، بمعنى: أنه لا يأثم من مكّن الصغير من مس المصحف وليّا كان أو غيره.
وبهذا قال: الحنفية في الصحيح من المذهب [5] ، والمالكية في المعتمد [6] ، والشافعية في الصحيح [7] ، والحنابلة في رواية [8] ، وهو مذهب الظاهرية [9] .
(1) - الاستذكار، 8/ 10.
(2) - مجموع فتاوى شيخ الإسلام 21/ 288.
(3) - حيث اختاره صاحب كتاب (إظهار الحق المبين) وقد فرغ من تأليفه بمكة سنة 1351هـ وذكر أن علماء المذاهب الأربعة في زمنه أجمعوا على الإفتاء به، ص، 19 - 20، وكذا أفتى به سماحة مفتي المملكة العربية السعودية في زمنه العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ كما في مجموع الرسائل والفتاوى 2/ 77، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز، كما في الفتاوى الصادرة عنها 4/ 72 وما بعدها، وغيرهم من علماء العصر.
(4) - انظر: المجموع شرح المهذب، 2/ 75؛ مغني المحتاج، 1/ 38؛ فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، 2/ 77.
(5) - الهداية، 1/ 31؛ البحر الرائق، 1/ 212؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين، 1/ 316.
(6) - التفريع، 1/ 212، المعونة، 1/ 162، الشرح الصغير، 1/ 223.
(7) - روضة الطالبين، 1/ 192؛ مغني المحتاج، 1/ 38؛ فتح الجواد، 1/ 55.
(8) - الفروع، 1/ 189؛ الإنصاف، 1/ 223.
(9) - حيث تقدم في المبحث الأول أنهم يرون جواز مس البالغ للمصحف وإن كان جنبًا، فالصغير من باب أولى.