المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن العناية بكتاب الله الكريم، وما يتعلق به من المعاني والأحكام من أفضل أنواع العلم الشرعي وأجله، لشرف موضوعه؛ لأنه يتعلق بأشرف كلام، وأعظم كتاب، ولذا رأيت أن أسهم بجهدي المتواضع في بيان حكم مسألة من المسائل المتعلقة به في هذا البحث الذي عنونت له بـ (حكم الطهارة لمس القرآن الكريم) [1] مجليًا آراء العلماء في هذه المسألة، على سبيل الإيضاح والتفصيل، لأنني لم أقف على مؤلَّفٍ مستقل [2] عني ببيان أحكام هذه المسألة على التفصيل الذي ذكرته، والنهج الذي سلكته، وقد انتظم هذا البحث في مقدمة ومبحثين وخاتمة.
وقد سلكت في هذا البحث المسلك العلمي المتبع في بحث المسائل الشرعية بحثًا فقهيًا مقارنًا، بذكر آراء العلماء وأدلتهم، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، مع بيان الراجح من تلك الآراء، مبينًا وجه الترجيح.
فأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وزلفى لديه إلى جنات النعيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
المبحث الأول: حكم الطهارة للبالغ
أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمس المصحف وخالف في ذلك داود لظاهري [3] وتابعه على القول به أهل الظاهر [4] .
أما المحدث حدثًا أصغر؛ فقد اختلف العلماء في حكم مسه للمصحف على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يمس المصحف كله أو بعضه.
وبهذا قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وسعد ابن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن زيد، وسلمان الفارسي، وغيرهم.
(1) - آثرت التعبير بـ (مس القرآن الكريم) على التعبير بـ (مس المصحف) رغم أنه التعبير الغالب عند كثير من العلماء والمصنفين وذلك موافقة للأحاديث الكثيرة والتي ورد فيها النهي عن مس القرآن، واتباعًا لاختيار بعض العلماء التعبير بهذا، كابن نجيم الحنفي في البحر الرائق، 1/ 211.
(2) - لا في القديم ولا في الحديث، سوى رسالة ألفها الشيخ/محمد بن علي بن حسين المالكي المتوفى سنة (1368هـ) بعنوان: (إظهار الحق المبين بتأييد إجماع الأئمة الأربعة على تحريم مس وحمل القرآن الكريم لغير المتطهرين) .
(3) - الإفصاح، 1/ 76؛ المغني، /147، رحمة الأمة، ص، 21؛ نيل الأوطار، 1/ 260، موسوعة الإجماع، 2/ 878.
(4) - المحلى، 1/ 77.