حكم العمليات الاستشهادية
بقلم: الأمين العام لتنظيم التجديد الاسلامي
الأستاذ الدكتور الامام: محمد بن عبدالله المسعري
سؤال: ما هو حكم العمليات «الفدائية» أو «الاستشهادية» ، التي يسمُّونها «إنتحارية» ؟! لا سيما وأن بعض من يشار إليهم بالبنان قد شكَّك في مشروعيتها، فمنهم من قال إنها حرام، وهي «انتحار» أي «قتل» محرم للنفس ومن الكبائر، ومنهم من قال حذرًا: (أخشى أن لا تكون مشروعة، وأن لا يكون القتيل شهيدًا) ، أو نحوًا من هذا الكلام.
الجواب: أن قتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق، موبقة من كبائر الذنوب العظيمة، فيها اعتداء على حق الله، واعتداء على حق العبد المقتول. هذه الكبيرة المهلكة يخشى على فاعلها من حبوط العمل كلية، والخلود في النار، أعاذنا الله منها. هذا معلوم من الإسلام بالضرورة فلا نطيل في مناقشته. وكذلك قتل الإنسان لنفسه، لأن نفسه ليست ملكه هو وإنما هي ملك خالص لله، وحق خالص لله. فالإنتحار، أي قتل الإنسان لنفسه، اعتداء شنيع على حق الله. وهو، أي الإنتحار، محرم حرمة قطعية كقتل الغير سواءً بسواء، وإن كان في الإثم دون قتل الغير مرتبة، لخلوه من حق الآدميين المباشر. وقد جمعنا أحاديث الباب، وبينا تواترها، ..
ولكن النظرة المدققة تظهر أن القائم بعملية «استشهادية» ليس قاتلًا لنفسه بالمعنى المذكور أعلاه لأنه لم ينو قتل نفسه، ولا انعقدت عزيمته على إتلافها، ولو أمكنه أن يقوم بعمليته تلك من غير تلف ذاته لفعل فرحًا مسرورًا، مستبقيًا نفسه لجولة أخرى مع العدو.
فعند المقدم على «عملية استشهادية» انعقدت الإرادة، وتوجهت النية إلى النكاية بالعدو، وإلحاق الضرر به، ولكن طبيعة العملية المنفَّذة، أو نوع الآلات والأسلحة المستخدمة ترتب عليه بالضرورة الحسية، هلاك النفس، وتلف الذات، تبعًا للتنفيذ، وعلى ما يترتب عادة في العالم المحسوس من النتائج على الأسباب، من غير قصد إتلاف النفس، أو نية الإضرار بها.
فالقائم بالعملية «الاستشهادية» أو «الفدائية» ما أراد قط قتل نفسه، ولا نوى ذلك مطلقًا، وإنما أراد النكال بالعدو، ولم تتيسر طريقة أو أسلوب آخر، فقبل بتلك العملية على علاتها، بما في ذلك هلاك نفسه وتلفها، مكرهآ مرغمًا غير واجد لبديل، مضحيًا بنفسه، محتسبًا لذلك، راجيًا الثواب من الله.
ولما كانت نية قتل النفس، والعمل على إهلاكها، كما هو الحال بالنسبة للمنتحر العادي، غير موجودة، فليس ثمة «جريمة انتحار» ، لقوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنية (أو النيات) ، وإنما لكل امرئ ما نوى: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها،